Untitled Document

عدد المشاهدات : 891

الحلقة (125) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآية (210) من سورة البقرة، قول الله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210

  تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الخامسة والعشرون بعد المائة الأولى
تدبر الآية (210) من سورة البقرة
********
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) 
********
 

(هَلْ يَنْظُرُونَ) يعنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ، يعنى هؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام حتى الآن، ما الذي ينتظرونه ؟ كما تقول لشخص تحثه على شيء: ماذا تنتظر ؟
مثال: رجل عليه دين وأنت تقول له: ماذا تنتظر ؟ هل تنتظر حتى يأتيك محضر ؟ هل تنتظر أن تدخل الى السجن ؟
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ) 
هذا سيكون في يوم القيامة، كأن الله تعالى يقول، هَلْ يَنْتَظِرُونَ حتى تقوم القيامة فجأة، أو يموت أحدهم بَغْتَةً، لأن الانسان اذا مات فقد قامت قِيَامَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ بَغْتَةً جَاءَهُ مَرَضُ الْمَوْتِ بَغْتَةً فلا يَقْدِرَ عَلَى الْعَمَلِ، وَتَدَارُكِ الزَّلَلِ.
ويصف الله تعالى هذا المشهد المهيب يوم القيامة، وهو مشهد اتيان الله تعالى لمحاسبة الخلائق، فيقول تعالى:
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ) والظُلَلٍ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهو ما يستظل به الانسان، ومنه جائت "المظلة"
ما هذه المظلة التى ستظل الناس، يقول تعالى (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) والْغَمَامِ جمع "غَمَامَةٍ" وهي السحاب، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغِمُّ السَّمَاءَ; أَيْ: يَسْتُرُهَا، كما نقول "الغِمامةَ" التى توضع على العين
وقال البعض هو السحاب الأبيض، وقال البعض هو السحاب الرقيق، وقالوا هو الضباب
قال المفسرون قوله تعالى (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) (في) معناها (مع) فالمعنى  (فِي ظُلَلٍ مِع الْغَمَامِ) لأننا لو أخذنا (في) على انها للظرفية، صارت هذه الظلل محيطة بالله تعالى، والله تعالى أحل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته
كما نقول: جاء القائد في عسكره، أي مع عسكره
وقوله تعالى (وَالْمَلَائِكَةُ) مرفوعة مضمومة على لفظ الجلالة، يعنى سيأتيهم الله وتأتيهم الملائكة
********
وهذا المشهد، وهو مشهد اتيان الله تعالى (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ والملائكة) لمحاسبة الخلائق، من الآيات التى يؤمن المسلم بظاهرها، ويوكل علمها الى الله تعالى
وكل مثل يأتي به الله تعالى في القرآن العظيم مما نعرفه في المخلوقين، نأخذه في اطار (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) 
فالله تعالى سيأتي بِذَاتِهِ وَلَكِنْ اتيانه ليس كَإِتْيَانِ الْبَشَرِ
فالله موجود وأنت موجود، ولكن وجوده ليس كوجودك
والله تعالى حي وأنت حي، ولكن حياته ليست كحياتك
والله تعالى سميع وأنت سميع، ولكن سمعه ليس كسمعك
والله بصير، وأنت بصير، ولكن بصره ليس كبصرك.. وهكذا
وهو تعالى أثبت أن له يد، وأثبت أن له وجه، وأثبت أن له ساق، ولكن يده ليست كيدك، ووجهه ليس كوجهك، وساقه ليست كساقك
فكل ذلك نأخذه في اطار (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وكل ذلك نوكل علمه الى الله تعالى 
وحين نري الله تعالى يوم القيامة سيفاجئ الذين تصوروا الله على أية صورة، أنه سبحانه على غير ما تصوروا، لأنه لو كانت صورة الحق في بال البشر لكان معنى ذلك أنهم أصبحوا قادرين على تصوره، وهو تعالى قادر لا ينقلب مقدوراً عليه أبداً، ومن عظمته تعالى أن العقل لا يستطيع أن يتصوره مادياً.
اذن اتيان الله تعالى يوم القيامة في هذه الآية، نوكل علمه الى الله تعالى، ونأخذه في اطار (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
حتى الْغَمَامِ الذي ذكرته الآية الكريمة، وقلنا أن البعض قال أنه هو السحاب الأبيض، وقال البعض هو السحاب الرقيق، وقالوا هو الضباب، قال العلماء ليس كسحاب الدنيا، فالاسم هو الاسم؛ ولكن الحقيقة غير الحقيقة؛ لأن المسميات في الآخرة - وإن شاركت المسميات في الدنيا في الاسم - إلا أنها تختلف مثلما تختلف الدنيا عن الآخرة.
قالوا مثلًا أنها سحاب مَنْظُومٌ ومُكَلَّلٌ بِالْيَاقُوتِ والزبرجد وغير ذلك من الْجَوَاهِرِ الكريمة .
فاذا كان السحاب الذي سيأتي مع الحق –سبحانه وتعالى- وهو مخلوق لله تعالى لا نستطيع تصوره، فهل نستطيع أن نتصور الخالق
الْغَمَامِ المذكور في الآية الكريمة ليس كسحاب الدنيا
********
ورد في الأثر: بعد أن يخرج جميع الخلائق من قبورهم، ويقفون في انتظار الحساب، ويطول وقوفهم جدًا، حتى قيل أنهم يقفون سبعين سنة، لا ينظر اليهم ولا يقضى بينهم، ويبكون حتى تنقطع دموعهم، ثم يبكون دمًا، حتى يبلغ ذلك منهم الأذقان، ثم يقول الخلائق: من يشفع لنا الى ربنا فيقضى بيننا ؟ فيقولون: أبينا آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، فيذهبون الى آدم، ويطلب ذلك منه فيأبي، ثم يذهبون الى نبي نبي، والحديث معروف، والملخص أنهم كلما أتوا نبيًا أبي، حتى يأتون الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  فيقول: أنا لها أنا لها، وهذه هي الشفاعة العظمي يوم القيامة، ان يشفع الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  لجيع الخلائق يوم القيامة حتى يبدأ الحساب، فيخرج الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  حتى يسجد تحت العرش، ويظل ساجدًا حتى يبعث الله تعالى ملكًا فيأخذ بعضد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  ويرفعه، ثم يقول تعالى: يا محمد، ما شأنك ! فيقول الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : يا رب وعدتني الشفاعة، فشفِّعني في خلقك، فاقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفَّعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم.
فينصرف الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  حتى يقف بين الناس، في انتظار قدوم الله تعالى ليقضى بين الخلائق
فينما الناس وقوف وفيهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  يسمعون صوتًا شديدًا من السماء فيهولهم هذا الصوت، فينزل أهل السماء الأولى من الملائكة، يمثلى من في الأرض من الجن والانس، وتشرق الأرض بنورهم، ويقفوا صفوفًا، فيقول لهم الناس: أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، وهو آتٍ، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلى من نزل من الملائكة، وتشرق الأرض بنورهم، فيقول الناس: أفيكم ربنا، فتقول الملائكة: لا، وهو آتٍ، فيقفون صفوفًا، ثم ينزل أهل السماء الثالثة والرابعة حتى السابعة، ثم ينزل الله –سبحانه وتعالى- ، وهذا هو قول الله تعالى في سورة الفجر (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)
ينزل الله تعالى كما ذكر تعالى في الآية الكريمة التى معنا (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ) 
يقول الأثر: ينزل الله تعالى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ، والملائكة يسبحون الله تعالى، ويوضع عرش الله تعالى، ثم ينادي مناد نداءً يُسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليّ، فإنما هي صُحُفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه! فيقضي الله عز وجل بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه ليقتصُّ يومئذ للجمَّاءِ من ذات القَرْن
********
(وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي انتهي الأمر وفرغ منه، ودخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وأنتهت فرصة العودة والتوبة الى الله تعالى، فمن لم يرجع إلى ربه قبل الآن ويتوب فليست له فرصة أن يرجع ويتوب، كما قال تعالى في قصة نوح (وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي) أي انتهي كل شيء، ولم يعد للناس قدرة على أن يرجعوا عما كانوا فيه 
********
(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي إِلَى اللَّهِ وحده لا الى غيره تصير أمور الدنيا والآخرة 
وهناك قراءة (وَإِلَى الله تَرْجَعُ الأمور) بفتح التاء، وقراءة (وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور) بضم التاء، وكل قراءة لها معنى
(تَرْجَعُ) بفتح التاء، يعنى ترجع الى الله بنفسها
(تُرْجَعُ) بضم التاء، يعنى ترجع رغمًا عنها
فمن لم يأت برغبته سيأتي قسرًا
********
اذن الآية تهديد ووعيد للمشركين، ومن لم يدخل في الاسلام، لأن في الآية قبل السابقة يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يعنى (ادْخُلُوا فِي الاسلام جميعًا) وفي الآية السابقة يقول تعالى (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
ثم يقول تعالى في هذه الآية (هَلْ يَنْظُرُونَ) يعنى ماذا تنتظرون حتى تدخلوا في الاسلام ؟ وما تنتظرون حتى تقلعوا عن المعاصى ؟ هل تنتظرون حتى تقوم القيامة فجأة، أو يموت أحدهم بَغْتَةً، والانسان اذا مات فقد قامت قِيَامَتِهِ 
ثم يصف الله تعالى هذا المشهد المهيب الذي سيعاينوه من مشاهد يوم القيامة، ليهددهم به ويتوعدهم به، وهو مشهد اتيان الله تعالى لمحاسبة الخلائق (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)  وقلنا أن اتيان الله تعالى ليس كأتيان البشر، وانما نأخذه في اطار (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ونوكل علمه الى الله تعالى 
ثم يختم الله تعالى هذه الآية المزلزلة بقوله تعالى (وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) يعنى اذا حدث هذا فقد انتهي الأمر، وانتهت فرصة التوبة والعودة الى الله تعالى، فمن لم يتب الآن فليس له فرصة للتوبة، ومن لم يرجع إلى ربه الآن فليست له فرصة أن يعود