Untitled Document

عدد المشاهدات : 2874

الحلقة التاسعة عشر بعد المائة من " تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآيات (200) و (201) و(202) من سورة البقرة، قول الله تعالى) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَ

  تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة  التاسعة عشر بعد المائة
تدبر الآيات (200) و (201) و(202) من سورة البقرة
********
  فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴿٢٠٠﴾
 وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾
 أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾
********
 

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴿٢٠٠﴾
كانت العرب في الجاهلية اذا فرغوا من أعمال الحج، كَانُوا يَقِفُونَ بِمِنًى، ويذكر كل واحد منهم محاسن أبيه ويدعو له بالخير، وتحول الأمر بمرور الوقت ليس دعاءًا الى الأب بالخير، ولكن اصبح اجتماعًا يعدد فيه كل واحد مفاخر أبيه، فكانوا يجلسون في منى حَلَقاً ويفتخرون بمناقب آبائهم فيقول أحدهم: كان أبي يطعم الطعام، ويقول الآخر: كان أبي يحمل الديات، كان أبي يضرب بالسيف
وكان من عادة العرب التفاخر الذي لا حد له بالأباء والأجداد والأحساب والأنساب 
كانت العرب يجلسون في منى حَلَقاً ويفتخرون بمناقب آبائهم
فأمرهم الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن يكفوا عن هذه العادة الذميمة، وأن يشغلوا أنفسهم بدلًا من ذكر الأباء أن يذكروا الله تعالى
يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -في حديث رواه مسلم "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله"  اذن نهي الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عن صيام أيام التشريق، وأمر بكثرة ذكر الله تعالى في هذه الأيام
ومن هذا الذكر في أيام التشريق التكبير، سواء التكبير بعد الصلوات، أو التكبير العير مرتبط بالصلوات، وهو ما يطلق عليه التكبير المطلق
********
يقول تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) أي كما كنتم تذكرون آبَاءَكُمْ
ثم يقول تعالى (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) يعنى بل أَشَدَّ ذِكْرًا، فالله تعالى يستحق أن يذكر أكثر مما كنتم تذكرون آبائكم
ولذلك عندما خطب النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -في حجة الوداع، فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كان مما قاله الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَّا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟" 
قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
اذن الآية أمر من الله تعالى بالكف عن هذه العادة الذميمة، وهي عادة التفاخر بالآباء في أيام منى، وأن يملأ الحاج هذه الآيام بأنواع الذكر والدعاء وسائر أنواع العبادات
********
(فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)
أولًا هذا الدعاء اشارة من الله تعالى الى أن المسلم بعد أن يؤدي المناسك، يكون أهلًا الى أن يضرع الى الله تعالى 
فالدعاء بعد أداء الطاعة أرجي للقبول، مثل الدعاء بعد أداء الصلاة المكتوبة مثلًا
ويبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الناس في دعائهم وتضرعهم الى الله تعالى فريقان: فريق استولى عليه حب الدنيا ومتاعها، فأصبح لا يفكر الا فيها، ولا يهتم الا بها، ولذلك فهو يتوجه في دعائه لطلب متاع الدنيا فقط، ولا يسأل شيئًا من أمور الآخرة فيقول (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) يارب أريد كذا وأريد كذا وأريد كذا، وكلها من أمور الدنيا (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) والْخَلَاقُ هو النَّصِيبُ،  أي ليس لدعائه أي نصيب من أمور الآخرة
نقول: راقب نفسك في دعائك، اذا كان جل دعائك في أمور الدنيا، فأنت من أهل الدنيا
 

********
(وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾
هذا هو الصنف الثاني الذي يَقُولُ في دعائه (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) 
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) يعنى تكون أحوالنا حسنة في الدنيا: الأبدان سليمة، والنفوس آمنة، والمعيشة ميسرة
(وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) يعنى المغفرة ودخول الجنة
اذن فهو دعاء بالعافية والرزق الحسن في الدنيا، ودعاء بالعافية ودخول الجنة في الآخرة
كأن الله تعالى يقول لك صعد حاجتك الى الله، لأن الإنسان إنما يُصَعدُ حاجته من المسئول على مقدار امكانيات المسئول؛ فقد تذهب لشخص تطلب منه جنيهًا، ثم تذهب الى آخر أغنى منه وتطلب منه عشرة جنيهات، وثذهب الى آخر أغنى وتطلب مائة جنيه، اذن فأنت تطلب على قدر امكانيات المسئول، فاذا سألت الله الملك فاطلب على قدر الله، فاطلب أمور الآخرة الباقية، ولاتطلب الأمور الدنيوية الفانية
وهذا الدعاء له قصة، عن  أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أن رَجُلًا من الصحابة دعا فقال: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبَنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا ، فَمَرِضَ مَرَضًا حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ الْمَنْتُوفِ، فعاده النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  فقال لَهُ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هل كنت تدعو الله بشيء؟ 
فقال: نعم يا رسول الله، كنت أدعو وأقول اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبَنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَّهِ‏!‏ هَلْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أَحَدٌ أَوْ يُطِيقُهُ‏؟‏ وَلَكِنْ قُلْ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّار" يقول أَنَسَ: فَقَالَهَا، فَمَا لَبِثَ َسِيرًا حَتَّى بَرَأَ
********
وقال البعض أن الحسنة في الدنيا، هي الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، والعمل الصالح وفهم كتاب الله 
والآية تحتمل كل هذه المعاني، لأن كلمة (حَسَنَةً) كما نقول في النحو "نكرة" فهي تحمل معنى: العافية والرزق الحسن في الدنيا، وتحمل معنى العمل الصالح في الدنيا
********
وانظر الى دقة التعبير القرآني، في الآية السابقة، يقول تعالى (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) فلم يقل: آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، والآية التالية، يقول تعالى (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) 
لأن الفريق الآول والذي أستولى عليه حُبِّ الدُّنْيَا  وكل همه هي الدُّنْيَا ، لا يبالى أن تأتيه الدُّنْيَا  من حلال أم من حرام، ولذلك قال (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا)
ولكن الفريق الثاني حين يطلب الدنيا، فانه لا يطلبها الا من طريق بعيد عن المعاصى، ولذلك قال (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)
********
وهنا لم يذكر الله تعالى قسماً ثالثاً من الناس وهو الذي يطلب الآخرة فقط ولا يطلب الدنيا، لأن الدنيا هي مزرعة الآخرة
ولذلك كان الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستعيذ من الفقر ويستعيذ من الهم، فالدنيا اذا فسدت فقد تفسد الآخرة، لأن الدنيا هي مزرعة الآخرة
********
وهذا الدعاء –كما يقول العلماء- هو دعاء النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لأن كل نبي له في القرآن العظيم دعوة يدعو بها، فآدم عليه السلام  كان دعائه (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين( ودعاء نوح (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولاتزد الظالمين إلا تبارا) وهكذا أما دعاء الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهو (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )
في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. 
لأن هذا من جوامع الدعاء، وفي حديث عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك.
ولذلك لا أحب ما يقوم به أغلب الأئمة من الاكثار في الدعاء، ويعتبرون أن ذلك يدل على تمكنهم 
انظر الى "أنس بن مالك" كان جالسًا عنده عدد كبير من التابعين، فقال له أحدهم: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم . فقال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وسكت، ثم تحدثوا فقال أحدهم: يا أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم، فقال : أتريدون أن أشقق لكم الأمور!! إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله . 
ولذلك علينا أن  نكثر من هذا الدعاء اقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
********
لماذا ذكر الله تعالى في الدعاء  (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) مع أن ذلك يندرج تحت حسنة الآخرة
السبب أن هذا النوع الثاني من الناس، لقوة ايمانه فهو يستصغر حسناته بجانب نعم الله وفضله، فيغلب الخوف عنده على الرجاء 
********
 ( أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾
الفريق الأول، بين الله تعالى حكمه في قوله تعالى (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)
وهنا يبين الله تعالى حكم الفريق الثاني، الَّذِينَ يَطْلُبُونَ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ، فيقول تعالى (أُولَـٰئِكَ) يعنى هؤلاء الفريق الثاني 
 (لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا) يعنى لهم ثواب عظيم جزاء أعمالهم الصالحة
(وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) وذلك يوم القيامة،  لأنه تعالى لا يحتاج الى عد، ولا يحتاج الى تذكر وتأمل واعمال فكر
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ فِي مِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَوَرَدَ: فِي قَدْرِ فَوَاقِ النَّاقَةِ، يعنى الفترة بين الحلبتين، يعنى حوالى ساعة ولا ساعتين، وَوَرَدَ: بِمِقْدَارِ لَمْحَةِ الْبَصَرِ. 
ولذلك سُئل الإمام علي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله الخلائق جميعاً في لحظة واحدة؟.
فقال: "كما يرزقهم في ساعة واحدة"
ورد أن الله يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ فِي قَدْرِ فَوَاقِ النَّاقَةِ
*****