Untitled Document

عدد المشاهدات : 1852

الحلقة (112) من تدبر القُرْآن العَظِيم تدبر الآية (187) من سورة البقرةأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْ

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الثانية عشر بعد المائة
تدبر الآية (187) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
هذه الآية لها مناسبة نزول، وهو أن الصيام في أول الأمر، كان كما هو الآن من الفجر الى غروب الشمس، فاذا غربت الشمس فالصائم له أن يأكل وله أن يشرب، ويحل له أن يجامع امرأته، حتى فجر اليوم التالي
ولكن اذا نام بعد المغرب، فان صيامه لليوم الجديد يبدأ
يعنى اذا نام بعد المغرب، فلا يحل له الطعام ولا الشراب ولا الجماع حتى مغرب اليوم التالي
فكان هناك رجل من الأنصار، اسمه  "قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ" وكان شيخًا كبيرًا متقدمًا في السن، وكان يعمل نخالًا بالأجر في مزارع المدينة، فجاء يومًا وهو صائم في شهر رمضان، بعد أن عمل طوال النهار، وأخذ أجره بعض التمر، فقال لأمرأته: استبدلى بهذا التمر شيئًا ساخنًا فان التمر قد أحرق جوفي، فانطلقت فاستبدلت، ثم صنعت طعامًا، فلما انتهت وجدته  قد غلبته عينه ونام، فأيقظته فأبي أن يأكل، وأصبح صائمًا مجهدًا، فرأه الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مجهدًا، فقال له: ما لك يا أبا قيس ؟! فقص عليه ما حدث 
وحدث في نفس الوقت أن أحد الصحابة وقع على جارية له بعد أن نامت، فذكر ذلك للرسول فلما تكلم، ذكر بعض الصحابة أنهم فعلوا ذلك
فنزلت بعد ذلك الرخصة التى نحن عليها الآن، وهي الطعام والشراب والزوجة من المغرب الى الفجر حتى اذا حدث النوم بعد المغرب
وهذا نوع آخر من التدرج في التشريع، فالتدرج في التشريع قد يكون من الأسهل الى الأصعب، وقد يكون من الأصعب الى الأسهل، وقد يكون الإثنان معًا، كما في تشريع الصيام
ففي تشريع الصيام، انتقل التشريع من السهل الى الصعب: من الصيام تطوعًا ثلاثة أيام في الشهر، الى الصعب وهو صيام شهر رمضان، واذا حدث النوم بعد المغرب فلا يأكل ولا يشرب، ثم بعد ذلك الى الوسط والاعتدال الذي نحن عليه الآن
وكل ذلك حتى يشعر المسلمون بقيمة التخفيف، ويتقبلوا هذه العبادة الشاقة، خاصة أن العرب لم تكن تعرف الصيام، والجو في الجزيرة شديد الحرارة، ولذلك روي أنه لما نزل هذا التخفيف فرح المسلمون فرحًا شديدًا
كان "قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ" يعمل بالأجر في مزارع المدينة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
يقول تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) لَيْلَةُ الصِّيَامِ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُصْبِحُ مِنْهَا الْمَرْءُ صَائِمًا 
(الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) "الرَّفَثُ" هو الكلام المتعلق بالجماع، وهذا الكلام المتعلق بالجماع اذا كان في موضعه فلا شيء في، واذا كان في غير موضعه فهو من الفحش في الكلام، فكنى الله تعالى عن الجماع بالكلام المتعلق بالجماع 
فمعنى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) أي أحل لكم في ليلة الصيام جماع الزوجة، بعد أن كان محرمًا عليكم من قبل اذا حدث نوم بعد صلاة المغرب، بل قيل أنه كان محرمًا طوال شهر رمضان
ومن تشريف الله تعالى للقرآن العظيم، أن اللغة التى نزل بها القرآن العظيم وهي اللغة العربية، ليس فيها لفظ وضع وحده في معنى الجماع، فكل الألفاظ التى استعملت في معنى الجماع هي كناية عن الجماع، مثل: الملامسة، المباشرة، الافضاء، الدخول، الرفث، حتى اللفظ الصريح الذي يستخدم في اللهجة العامية هو ايضًا استعارة، وله معنى مختلف في اللغة العربية
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
ثم يقول تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) هذا تشبيه قرآني بليغ وجميل، لأن اللباس هو ما يلبسه الانسان
 
لماذا يلبس الانسان الملابس ؟
- ليستر عورته
- لتحميه من البرد ومن الحر والاصابات
- ليتجمل بهذا الثوب
وكل هذه المعاني موجودة في الزوج، فكما أن الملابس تستر عورة الانسان، وتحمي جسد الانسان، فكذلك الزواج يستر الانسان ويحميه من الوقوع في الحرام
كما ورد في الخبر "إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي."
لأن فساد الدين يأتي من الفرج واللسان، فاذا تزوج الانسان وعف نفسه عن الزنا، فقد استكمل نصف الدين
ولذلك في التعبير الشعبي نقول: عاوز أستر البنت، يعنى أحميها وأحصنها بالزواج
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
ولذلك فان قول الله تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) بعد قوله (أُحِلَّ لَكُمْ) بيان وتعليل لسبب الإحلال، فكأن الله تعالى يقول: أُحِللتَ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ لأنهُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ، فهن حماية لكم من الوقوع في الفتنة، وأنتم حماية لهن من الوقوع في الفتنة، فلا يستغنى أحد منكم عن الآخر، ولذلك أُحِللتَ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
قلنا أن الانسان يرتدي الملابس –كذلك- حتى يتجمل بها، فكذلك الزواج جمال للإنسان، وكل زوج جمال للأخر 
ولذلك نجد البعض يتزوج وهو لا يريد الزواج لذاته، وانما يتزوج –كما يقولون- كشكل اجتماعي 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
كل هذه معاني جميلة لقوله تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) وأعجبنى صاحب الظلال في تفسيره لهذه الآية يقول: "الرفث هو المباشرة ذاتها، ولكن القرآن لا يمر على هذا المعنى دون لمسة حانية رفافة، تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقاً ونداوة، وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
أيضًا قوله تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) توجيه قرآني الى أن الستر من أساسيات العلاقة بين الزوجين،  لأن الوظيفة الأولى للباس هي ستر العورة
كأن الله تعالى يوجه الى أن كل زوج ينبغي أن يكون ستر على عيوب زوجه، لأن كل انسان اذا استطاع أن يستر عيوبه أمام كل الناس، فانه لا يستطيع أن يستر عيوبه في بيته، بل يمكن أن يستر الانسان عيوبه أمام أبناءه، ولكنه لا يمكن أبدًا أن يستر عيوبه أمام زوجته
ولذلك قلت قديمًا في "أسرار السيرة الشريفة" أن ايمان زوجات الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- به دليل على صدق نبوته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن الرسول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لو استطاع أن يخدع الدنيا كلها، فانه لن يستطيع أن يخدع زوجاته
وأذكر انني قلت قديمًا لمن يريد فترة خطوبة طويلة بحجة أن كل طرف يعرف الآخر آكثر، وكلما طالت الفترة كلما عرفه أكثر، قلت لو طالت فترة الخطوبة لمدة عشرة سنوات، وبعد ذلك تم الزواج، في أقل من شهر سيكتشف كل واحد انسان جديد
ورأينا اثنين استمرت الخطوبة سبع سنوات، فلما حدث الزواج، وقع طلاق بينهما بعد أقل من شهر
اذن بهذا التشبيه الجميل (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) يوجه الله تعالى كل زوج أن يكون سترًا على صاحبه، ولا يتحدث أبدًا عن عيوبه، لأنه سيري من عيوبه ما لا يراه أي انسان
فليس مقبولًا أن يكون شخص يتعامل مع الناس بهدوء وبعد ذلك تتحدث زوجته عن عصبيته، أو تكون انسانة أمام الناس هادئة ورقيقة، ثم يقول الزوج: أنتم لم تروها مع أبنائها
ليس مقبولًا أن تقول الزوجة ان زوجها ليس له مثيل، ولكن عيبه الوحيد هو الكذب، أو البخل
ليس مقبولًا أن يقول الزوج أن زوجته مثالية ولكنها مسرفة، أو تنام كثيرًا
البعض يصل به الأمر الى أنه يتحدث عن العلاقة الخاصة بينه وبين زوجته، أو تتحدث المرأة الى صديقاتها عن العلاقة بينها وبين زوجها، وفي ذلك يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا"
اذن قوله تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) توجيه قرآني الى أن الستر من أساسيات العلاقة بين الزوجين، ليس في الفراش فقط، ولكن في كل شؤون حياتهما كلها، حتى الخلافات الزوجية الأصل فيها الستر، وعدم النشر، وإلا صار حلها معقداً في الغالب.
من الأمور التى رأيتها رجل كان بينه وبين زوجته خلافات عادية جدًا من التى تحدث في كل البيوت، ولكنه كان يتحدث كثيرًا عن تفاصيل هذه الخلافات الى أصدقاءه وفي مكان عمله، وكان في مكان عمله امرأة تكره زوجته، لأن زوجها تقدم لها قديمًا ورفضته، وكان بين أصدقاءه –كذلك- من يكرهها لأنه لم يتزوج وكان صديقه قبل الزواج لا يفارقه، فكانا يوغران صدره عليها، حتى انتهي الأمر الى الطلاق، وسلسلة طويلة من القضايا والمحاكم، وتشرد الأبناء
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
اذن فقوله تعالى (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي أن الله تعالى كان يعلم أن بعضكم كان يأتي زوجته بعد أن ينام، مع أن هذا أمر كان محرمًا ولم يكن مسموحًا به
وكلمة (تَخْتَانُونَ) من الخيانة، ما هي الخيانة ؟ الخيانة هي نقض ما تم الاتفاق عليه، ولذلك قال تعالى (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) لأن ارتكاب الذنب هو نقض للعهد الذي بين العبد وربه
وجاء تعالى بهذا التعبير (أَنْفُسَكُمْ) لأن ارتكاب العبد للذنب، أو نقض العبد للعهد بينه وبين الله تعالى، يكون وباله على العبد نفسه وليس على الله، فالحق –سبحانه وتعالى- لن يصبه أي ضرر حين تنقض العهد الذي بينك وبينه، ولن يصيبه ضرر حين يأتمنك على شيء ولا تؤدي الأمانة فيه
ولذلك فجميع الذنوب في القرآن العظيم عبر عنها بظلم النفس، وليس ظلم الله تعالى، لأن العبد لا يبلغ ولا يستطيع أن يظلم الله تعالى، وانما اذا ظلم فقد ظلم نفسه، واذا خان الأمانة بينه وبين الله تعالى، فهو في الحقيقة لم يخن الله، لأن العبد لا يملك أن يخن الله، ولكنه حين يخون فانه يخون نفسه 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
 (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أي قبل الله توبتكم حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور ‏
(وَعَفَا عَنْكُمْ) أي عَفَا وَتجاوز عما وقع منكم من مخالفة.
كذلك (َعَفَا عَنْكُمْ) أي عَفَا عن تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم 
(فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ) المباشرة  هي كناية أخري عن الجماع، لأن المباشرة هي مُلاقاة بَشَرة ببَشرة
(وَابْتَغُوا) يعنى واطلبوا (مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أغلب المفسرون قال (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) من الولد
كأن الله تعالى يوجه الى أن الجماع في الاسلام لابد أن يكون بنية، فالمسلم لا يجامع زوجته يبتغي بذلك شهوة كما تفعل بقية المخلوقات، ولكنه يجامع زوجته لأحد أمرين: اما ليبتغي الذرية الصالحة، أو صيانة لنفسه عن اتيان الحرام  
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
 (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) الأمر للإباحة 
(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) 
" الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ" هو بياض النهار
و"الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ"  هو  سوادُ الليل.
فالمعنى حتى يتبين لكم طلوع الصبح من الليل
ولكنه تعالى عبر عَنْ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِالْخَيْطَ، حتى يشير الى أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنَ الْفَجْرِ، حتى لا يختلط الأمر على احد ويعتقد أن الوقت ممتد الى اضاءة واشراق واسفار النهار 
وهذا التعبير عن بياض النهار بالْخَيْطُ الْأَبْيَضُ، وعن سواد الليل بالْخَيْطِ الْأَسْوَدِ كان معروفًا في لغة بعض العرب
وكانوا يستخدمون هذا التعبير لأن كل واحد منهما يبدو في الابتداء ممتداً كالخيط.
ولكن بعض العرب يكن من لغتهم استعمال الخيط الأبيض والخيط الأسود للدلالة على الليل والنهار، ولذلك قال تعالى (مِنَ الْفَجْرِ) للدلالة على أنه تعالى يعني بهما الليل والنهار.
ولذلك لما جاء "عدي بن حاتم" الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعلمه الاسلام، وعلمه كيف يصلى ومواقيت الصلاة، ثم قال له فاذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر
ولكن لم يَكُنْ فِي لُغَةِ قَوْمِهِ اِسْتِعْمَالُ الْخَيْطِ لِلصُّبْحِ، فعاد الى الرسول وقال له: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظتُ، غير " الخيط الأبيض من الخيط الأسود "! فتبسم النبي كأنه فهم ما فكر فيه، ثم قال له: وما منعك يا ابن حاتم؟ فقال: فتلت خيطين من أبيض وأسود وأخذت أنظر اليهما  ! فضحك رسول الله حتى رُئي نَواجذُه، ثم قال: ألم أقلْ لك " من الفجر "؟ إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل
اذن قول الله تعالى (مِنَ الْفَجْرِ) يعنى هذا الخيط الأبيض أو هذا البياض من الفجر، وليس كما اعتقد بعض العرب أن يأتي بخيط أبيض وخيط أسود وينظر اليه فاذا استطاع أن يميز بينهما على ضوء النهار فهذا دليل على طلوع الفجر
وقال تعالى (مِنَ الْفَجْرِ) لبيان الخيط الأبيض، ولم يقل "من الليل" لبيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثاني 
كما قال تعالى في سورة النحل (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) ولم يقل "ومن البرد" من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر.
اذن قوله تعالى (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) 
يعنى حَتَّى يظهر بياض الصبح واضحًا من سواد الليل، وهذا البياض من الفجر لا من غيره
وهذا التعبير القرآني في غاية الدقة، ومازال علم الفلك الى الآن يحدد طلوع الفجر بنفس الطريقة، وهو وجود الشمس تحت الأفق الشرقى بمقدر 18 درجة
طلوع الفجر
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
 (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) أي الى غروب الشمس 
(وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) الاعتكاف هنا هو حبس النفس في المسجد للعبادة، وليس المقصود هو النهي عن المباشرة في المسجد حال الاعتكاف، لأن هذا ممنوع في غير الاعتكاف، ولكن المعنى لا تجامعوا النساء وأنتم في حال الاعتكاف، لأن بعض الصحابة بعد أن يدخل في الاعتكاف في العشر الأواخر، كان يخرج من المسجد لقضاء حاجته، ثم يمر على بيته، وربما يقع على زوجته، فنهي الله تعالى على الجماع أثناء فترة الاعتكاف 
وهذا الاستثناء لبيان حكم من أحكام سنة الاعتكاف في شهر رمضان أو في العشر الأواخر من رمضان، حتى لا يظن أحد أن الإذن بمباشرة الزوجة في ليالى رمضان يشمل حال الإعتكاف 
(وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
 (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) 
الحَدُّ : الفصل بين الشيئين
والمعنى هذا وضعه الله تعالى حدًا بين الحلال والحرام
( فَلَا تَقْرَبُوهَا) 
قوله تعالى (فَلَا تَقْرَبُوهَا) ابلغ من (فلا تعتدوها)
لأن قوله تعالى (فَلَا تَقْرَبُوهَا) يعنى لا تقترب من الحد الذي هو الحاجز بين الحق والباطل
 (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ) يعنى فرائضه وأحكامه 
(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المعاصى
 

*********************************

لمطالعة بقية الفصول- اضغط هنا

لمشاهدة الحلقات فيديو- اضغط هنا

 

*********************************