Untitled Document

عدد المشاهدات : 1159

الحلقة (106) من تدبر القُرْآن العَظِيم تدبر الآيتين (180) و (181) من سورة البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ ب

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة السادسة بعد المائة
تدبر الآيتين (180) و (181) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
هذه الآية يطلق عليها في القرآن العظيم "آية الوصية"
وقد قلنا من قبل أن قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) أي فرض عَلَيْكُمْ، لأن الكتابة تثبت الشيء وتوثقه
(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ( يعنى: إِذَا حضرت أسباب الْمَوْتُ، مثل المرض الشديد أو تقدم السن، كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل، لأن الموت لو حضر فلا مجال لا للكلام ولا للوصية 
وليس معنى ذلك أن المسلم لا يكتب وصيته حال شبابه أو حال صحته، بل نهى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يبيت المسلم ثلاث ليالٍ دون أن تكون وصيته عنده
ولكن اذا حضرت أسباب الموت فكتابة الوصية أصبحت أوجب
نجد الآن رجل متقدم في السن، وعنده أمراض كثيرة، ولا يكتب وصيته، وهناك أمور معلقة كثيرة في تركته، ولذلك عندما يموت يرتبك كل شيء، وتحدث مشاكل وقضايا ومحاكم وقطيعة رحم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) الخير المراد به المال، كقوله تعالى (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) وقوله (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) وفي سورة هود (إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) أي في غنى ومال
ولكن المقصود به هنا المال الكثير، لأنه لو كان المال قليل، فالأولى ألا يوصى وانما  يتركه كله للأولاد
روي أن "على بن أبي طالب" دخل على رجل يعوده، فقال الرجل: أوصى ؟ فقال على: قال الله تعالى (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) انما تركت شيئا يسيرا فاتركه لأولادك
كذلك روي أن رجلًا قال لأمنا عائشة –رضى الله عنها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم.
قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة.
قالت: إن الله تعالى يقول (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) وهذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك.
ولذلك اجتهد بعض التابعين في تحديد مقدار المال الذي يطلق عليه "خير" وهو المال الذي اذا بلغته يمكن أن توصى، فقال البعض أنه ألف درهم، وقال البعض سبعة مائة، وقالوا خمسة مائة، وقالوا ستين درهم، فيها ستة أقوال
ولكن الله تعالى لم يحدد مقدار هذا المال الكثير، لأنه أمر نسبي ويختلف باختلاف الوقت، وحال الورثة وعددهم وعدد أولاده
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ننظر هنا الى دقة الأداء القرآني، في قوله تعالى (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) (إِذَا) أداة شرط، و(إِنْ) أداء شرط كذلك، ولكن (إِذَا) للأمر المتحقق، و(إِنْ) للأمر الذي يحتمل الشك، كأن تقول: إِذَا جاء زيد فأعطه هذه النقود، فمعنى هذا أن زيد سيجيء، فاذا جاء فأعطه النقود، ولكن اذا قلت: إِنْ جاء زيد فأعطه النقود، فمعنى هذا ان زيد يمكن أن يأتي ويمكن ألا يأتي
ولذلك قال تعالى (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ( لأن حضور الموت أمر حتمى لكل انسان
ثم قال تعالى (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) لأن ليس شرطًا أن يترك الإنسان مالًا فقد يموت ولا يترك شيئًا
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(الْوَصِيَّةُ) الْوَصِيَّةُ هي كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة بعد الموت
(لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) أي أن الله تعالى فرض أن يوصى المسلم، ببعض ماله، لوالديه ولأقاربه
وهذه الآية نزلت قبل آيات الميراث في سورة النساء، وآيات الميراث هي ثلاثة آيات في سورة النساء، وهي الآيات الحادية عشر، والثانية عشر، والآية الأخيرة (وهي الآية 176) من سورة النساء، فلما نزلت آيات الميراث نسخت حكم هذه الآية، وقلنا معنى نسخت الحكم أي غيرت هذا الحكم بحكم جديد
بدليل أن الله تعالى جعل الْوَالِدَيْنِ يرثون، وجعل بعض الأقارب يرثون في بعض الحالات، وقد قال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- "إن الله أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث " يعنى الله تعالى أعطي بأحكام الميراث للوالد حقه وللولد حقه وللبنت حقهـا وهكذا.... فلا يصح بعد ذلك وبعد أن أعطاه الله حقه أن تعطيه، فهو قد أخذ حقه، فاذا أعطيته بالوصية بعد الميراث فقد أعطيته أكثر من حقه
اذن أخذ العلماء من آيات الميراث في سورة النساء، ومن حديث الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- "لا وصية لوارث " أخذوا منها أن هذه الآية منسوخة حكمًا
لأن الذين ذكروا في هذه الآية وهم الوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، أصبح لهم في الميراث، والذي يرث لا وصية له
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
لماذا كان هذا الحكم ثم نسخ ؟
ولماذا نسخ الحكم وبقي الرسم أو بقيت التلاوة ؟
أولًا هذا الحكم لأن العرب كانوا يوصون لأبنائهم بكل أموالهم، ولا يوصون لآبائهم بأي شيء، ولا يوصون لأحد من أقاربهم من باب أولى بأي شيء، وكانوا لا يوصون للنساء، وانما يوصون لإبنائهم من الذكور فقط 
فأراد الله تعالى أن يخرجهم من هذا الأمر، ولكن بالتدرج، والتدرج في التشريع من ثوابت التشريع في الإسلام، لأن الأمور المتعلقة بالمال تكون صعبة على النفس
فجعل الله تعالى الأمر في بدايته وصية، وجعل الوصية للتقدير الشخصى للفرد، سواء المبلغ الذي سيوصى به، أو الأقارب الذين سيوصى لهم، وذلك بحسب شدة احتياجهم، ولكن مع ذلك جعل هذه الوصية واجبة، فقال (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ، ثم أكده مرة أخري فقال (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)
أما قضية عدم توريث النساء، فقد مهد الله تعالى لدخول النساء في الميراث، فقال تعالى في سورة النساء (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) 
اذن بهذه الآية والآية في سورة النساء، مهد الله تعالى الى أن يخرج العرب من عادة ان يوصوا بكل اموالهم لأبنائهم الذكور فقط
بعد هذا التمهيد من الله تعالى أنزل الله تعالى آيات المواريث في سورة النساء، فجعل للأب السدس، وللأم السدس، والذكر مثل حظ الإنثيين، وفرض فرائض لبعض الأقارب
1
كان العرب يوصون لأبنائهم بكل أموالهم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن الذي يحاول الان أن يجعل كل أمواله لأبناءه فقط، ويريد أن يخرج أقاربه من الميراث، نقول أن هذا من عمل الجاهلية
ولذلك حين ألغى الله تعالى الحكم، وأبقي التلاوة نتعبد بها الى يوم القيامة، حتى يلفتنا الى هذه القضية الهامة، وهي ان تجعل أموالك لأبنائك وتخرج أقاربك من الميراث
وصورة ذلك الآن اذا كان شخص ليس عنده أبناء ذكور، وله بنتين أو ثلاثة بنات فاذا مات كانت للبنات الثلثان وللزوجة الثمن، والباقى يأخذه الإخوة الأشقاء، أو الإخوة لأب، ذكورا وإناثا للذكر مثل حظ الأنثيين.
فهو لا يريد لأشقاءه أن يرثوا، فيكتب كل شيء للبنات، وربما يكتب لهم أمواله في البنك ويحتفظ لنفسه بحق التصرف في هذه الأموال، أو يكتبهم على توكيل
وهو ينسى أنه لو مات وليس عنده أموال فالمسئول عن الإنفاق عن بناته هو أخوته، ولو مات وعليه ديون فالمسءول عن سداد الديون هم أيضًا أخوته 
ويقول لك أنا سألت وقالوا لي أن لى حق التصرف في أموالى حال حياتي كيف أشاء
ونقول نعم من حقك، ولكن اذا فعلت ذلك وعينك على الميراث، أي فعلت ذلك بنية أنك تريد أن تحرم بقية الورثة من الميراث، فهذا تحايل والتفاف على شرع الله تعالى
نفس الشيء لمن يميز أبناءه الذكور عن البنات حال حياته، ان فعل ذلك وعينه على الميراث، فهو التفاف وتحايل على شرع الله تعالى، وبقايا من جاهلية 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
هذه الآية وان قلنا انها منسوخة حكمًا بآيات المواريث، الا أنه يمكن أن يؤخذ ويستأنس بها في حق الوالدين اذا كانوا لا يرثون، وفي حق الأقارب الذين لا يرثون، وذلك بادخالهم في الوصية، والوصية كما نعلم لا تزيد عن الثلث
فبالنسبة للوالدين اذا كانا غير مسلمين فانهما لا يدخلان في الميراث،  كأن يكونا كافرين مثلًا، وكان هذا يحدث كثيرًا في بداية الإسلام، فقد كان الإبن يسلم ويظل أبواه كافرين، ويمكن أن يحدث الآن أيضًا أن يسلم الابن وأبواه مسيحيين، فاذا مات الإبن فانه يمكن أن يوصى لأبويه الكافرين أو المسيحيين، وذلك حتى يتألفا قلوبيهما للإسلام، أو بر بهما خاصة اذا كانا فقراء
كذلك من كان عنده أقارب لا يدخلون في الميراث، وكانوا فقراء، وربما هذا الشخص كان يتصدق على هؤلاء الأقارب الفقراء ويصلهم حال حياته، فلو مات فالله تعالى يوجهه الى أن يكتب لهم شيئًا من الوصية
اذن فيمكن أن تكون الآية قد نسخ منها حكم من يرث بآيات المواريث، وبقي فيها حكم من لا يرث بآيات المواريث، وهذا النسخ كان بحديث رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- "لا وصية لوارث"
فمن كان عنده مال كثير لأن قوله تعالى (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) كما قلنا تدل على المال الكثير، فان يمكن ويندب له أن يوصى ببعض ماله بما لا يتجاوز الثلث، الى والديه أو أحدهما، اذا كانا لا يرثان، أو الى بعض أقاربه، اذا كانوا لا يرثون، وخاصة اذا كانوا فقراء
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وقوله تعالى (بِالْمَعْرُوفِ) أي العدل، فلا يوصى لبعض أقاربه ويترك البعض، لأن بعضهم أقرب الى قلبه من البعض، وربما يعطي للغنى ويترك الفقر، أو يعطي المحتاج ويترك الأكثر احتياجًا، وأنما يعطي لأشدهم فقرًا وحاجة، ثم يعطي الأفقر فالأفقر 
أو أن يعطي بالمساواة اذا كانوا كلهم فقراء، أو بالمساواة للفقراء منهم، وذلك حتى لا تكون هناك كراهية أو أحقاد في النفوس
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم قال تعالى (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) ترغيبًا في هذا الأمر، كأن ذلك من فعل المتقين.
أيضًا قوله تعالى (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) اشارة الى أن الأمر بالوصية على سبيل الندب وليس الفرض، فلو كان فرضًا لقال تعالى (حَقًّا عَلَى المسلمين)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وهناك خلاف بين العلماء حول هذه الآية، هل هذه الوصية فرض أم ليست فرضًا ؟
نقول انظروا الى عبقرية التعبير في القرآن واعجازه
كانت الوصية فرضًا قبل نزول آيات المواريث في سورة النساء، ولذلك قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ) أي فرض عليكم
فلما نزلت آيات المواريث، أصبح الحكم ندبًا في حق الوالين والأقارب الذين لا يرثون، ولذلك ختم الآية بقوله (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)
اذن الآية بدأت بالفرض وانتهت بالندب، اشارة الى أن الأمر بدأ بالفرض وانتهي بالندب
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن الملخص أن هذه الآية الكريمة نزلت لأن العرب كانوا يوصون بكل أموالهم لأبنائهم، ولا يتركون شيئًا لا لآبائهم ولا لأي من أقاربهم، ففرض الله تعالى الوصية للوالدين والأقربين، تمهيدًا لإدخالهم في الميراث فرضًا، دون تحديد لمبلغ الوصية، ولا تحديد حتى للأقارب الذين يوصى اليهم 
ثم نسخت هذه الآية بآيات الميراث في سورة النساء، فحدد الله تعالى نصيبًا مفروضًا للأب، ونصيبًا مفروضًا للأم، وكذلك بعض الأقارب في أحوال معينة
ويقيت الآية وهي الوصية للوالدين وللأقارب، في حدود الثلث، اذا كانوا لا يرثون، وخاصة اذا كانوا فقراء، وذلك على سبيل الندب، وليس الفرض
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)
(فَمَنْ بَدَّلَهُ) أي فمن يبدل الوصية (بَعْدَمَا سَمِعَهُ) أي بَعْدَمَا سمع الوصية أو علمها من الموصى (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) أي أن الذنب يقع على من يبدل الوصية، وليس على الموصى شيء (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وهذا تهديد شديد ووعيد لكل من يبدل الوصية
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 

*********************************

لمطالعة بقية الفصول- اضغط هنا

لمشاهدة الحلقات فيديو- اضغط هنا

*********************************

وأسأل الله تعالى وقد اجتمعنا على طاعته أن يظلنا تحت ظل عرشه يوم القيامة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته