Untitled Document

عدد المشاهدات : 1954

الحلقة (102) من تدبر القُرْآن العَظِيم: تدبر الآيتين (172) و (173) من سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الثانية بعد المائة
تدبر الآيتين (172) و (173) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
هَذِهِ الْآيَةُ ابْتِدَاءُ قِسْمٍ جَدِيدٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ سَرْدُ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ بَعْدَهَا; أَحْكَامَ مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ وَأَحْكَامَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْقِصَاصِ وَالْوَصِيَّةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْعِدَّةِ وَالْإِيلَاءِ وَالرَّضَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَنْتَهِي هَذَا الْقِسْمُ بِمَا قَبْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا) 
الأمر في قوله تعالى (كُلُوا) للإباحة
(مِنْ طَيِّبَاتِ) و(الطَيِّبَاتِ) هي الرزق الذي اكتسب من حلال 
فالآية اخبار من الله تعالى بأن نأكل من رزق الله تعالى الذي أحله لنا، بشرط أن يكون هذا الرزق مكتسبًا من حلال
وفي (الأعراف) يقول تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
اذن هناك شرطان: أن يكون الطعام والشراب مكتسبًا من حلال، والشرط الثاني هوعدم الاسراف
فاذا تحقق هذان الشرطان فلا غضاضة في التمتع بما أحله الله لنا من الرزق
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وهذه الآية كما نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم أكل بعض الأنعام، والتى ذكرها تعالى بالتفصيل في سورة "المائدة" وهي الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ والوصيلة والحام، نزلت أيضًا في بعض الملل التى تعتقد أن أعظم مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، هو تَعْذِيبُ النَّفْسِ وَحِرْمَانُهَا من شهواتها الطبيعية التى خلقها الله تعالى فيها
وهذا نجده فيما يطلق عليه الرهبنة في ديانات البوذية والهندوسية والمسيحية
فتشير هذه الآية الكريمة الى أن هذه الرهبنة في تلك الأديان انما هي من تحريف البشر، وأنه لا رهبانية في الإسلام، وانما أباح الله تعالى لنا أن ناكل من رزقه تعالى، بشرط أن يكون هذا الرزق حلال، وأن يكون مكتسبًا من حلال
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)
يوجه الله تعالى عباده الى شكره حال النعمة
وهذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، فغير المؤمن لا يشكر الله تعالى، ويأكل كالأنعام، يقول تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ)  
ولذلك سبق في الآية (168) خطاب مماثل في نفس الموضوع، ولكن كان الخطاب للناس جميعًا، فقال تعالى (ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً) فلم يقل تعالى في هذا الخطاب (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم يقول تعالى (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) كأنه تعالى يؤكد أن الشكر هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في استقبال نعمة الله تعالى 
روي مسلم  وغيره عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- "إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا" 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن فكأن الآيات الكريمة تحثك على التدبر، وقد أمرنا الله تعالى بتدبر القرآن العظيم فقال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) فالله تعالى يريد لك أن تتوقف عند هذه الاية وتقول هذه الآية هي نفس الآية التى قرأتها من أربعة آيات
وعندما تنظر الى الآيتين تقول هناك فرق بين الآيتين: فالآية الأولى النداء (ياأيها الناس) وفي الآية الثانية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) ثم تنظر الى نتائج هذا الفرق بين الآيتين تجد عند النداء بيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا يكون هناك أمر بالشكر، وعندما كان هناك نداء بياأيها الناس، لم يكن هناك أمر بالشكر، اذن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في استقباله لنعم الله، ووقت معالجته لنعم الله هي أن المؤمن يشكر الله تعالى أما غير المؤمن فلا يشكر الله تعالى 
فلما يصل الى هذه الحقيقة يجد لسانه بتحرك بحمد الله تعالى مع كل نعمة، ويجد قلبه يمتلأ بشكر الله تعالى على نعمة، لأنه يجد أن الفرق بينه وبين الكافر في معالجة النعمة هو الشكر 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
 (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ) يعنى حرم عليكم فقط، لأن من القواعد الفقهية المقررة أن الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ 
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) يقول تعالى أنه لم يحرم علينا الا (الْمَيْتَةَ) وهي كل حيوان يفقد حياته بغير ذكاة شرعية، والذكاة الشرعية تكون بذبح الحيوان بقطع القصبة الهوائية والمريء والعروق التى في العنق، وهي باستثناء الحيوانات البحرية فانها لا تذكي، لقوله –صلى الله عليه وسلم- عن البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" لأن الحكمة في التذكية الشرعية أن جسم الحيوان يتخلص من الدم، بالنسبة للأسماك فلها خاصية أنها عند موتها فان الدم يتجمع في الخياشيم، لذلك من المعروف عند شراء الأسماك، أن تنظر في خياشيمه فاذا كان لونها أحمر أو وردي غامق، فانها تكون طازجة  
قوله تعالى (الْمَيْتَةَ) يدخل فيها كل ما ذكر في سورة المائدة (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) 
(الْمُنْخَنِقَةُ) هي التى ماتت عن طريق الخنق و(الْمَوْقُوذَةُ) هي التى ماتت بسبب ضربة على رأسها بحجر أو عصا أو نحو ذلك، وَ(الْمُتَرَدِّيَةُ) هي التى ماتت بسبب سقوطها من مكان،  وَ(النَّطِيحَةُ) هي التى ماتت بسبب نطح زميلتها، أو صدمتها سيارة، وَ(مَا أَكَلَ السَّبُعُ) هو الذي يفترسه حيوان آخر او طائر، فلا يجوز أكل ما تركه 
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
والحيوان الذي يموت بأي طريقة غير الذبح، وهي الذكاة الشرعية التى ذكرناها- يكون محتفظًا بدمه داخل جسمه، وهذا الدم يكون فيه مواد ضارة استخلصتها أجهزة جسم الحيوان وهو حي
لأن وظيفة الدم في جسم الكائن الحي أمرين
الأول: نقل المواد الغذائية التى تمتص من الأمعاء الى سائر أعضاء الجسم
الثاني: حمل افرازات الجسم الضارة، ونواتج التمثيل الغذائي كي يتخلص منها الجسم عن طريق البول والبراز والعرق 
فاذا ذبح الحيوان بالطريقة الشرعية تسيل كمية كبيرة من دماء الحيوان، كما تختلج أعضاء وعضلات الحيوان، وهذا يكفل اعتصار أكبر كمية من الدماء من جسد الذبيحة
فاذا لم يذبح الحيوان يصبح لحم الحيوان مملوءًا بالدم، ومن ثم بالمواد الضارة التى تصيب الانسان بالأمراض الخطيرة
وعندنا في الفلاحين يستطيع الفلاح بسهولة أن يميز الدجاجة المذبوحة من الميتة عن طريق لونها، وحتى اذا طهيت فان الطعم يكون مختلفًا
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وبالمناسبة يقول البعض في الغرب أن طريقة الذبح الاسلامية فيها وحشية، ونرد على ذلك فنقول أن عملية الذبح الشرعية وهي قطع القصبة الهوائية والبلعون والأوردة الى في الرقبة، تقطع الدم والهواء عن الدماغ فيفقد الحيوان الحس تمامًا، ويكون الألم جزء من الثانية
أما طرق القتل الأخري والتى يقوم بها البعض مثل الصعق مثلًا فان الحيوان يتعذب قبل موته من 5 الى 10 دقائق
ولكن ما يعذب الحيوان عندنا عو عدم الالتزام بضوابط الشرع وأهمها عدم رؤية الحيوان لحيوان آخر يذبح أمامه، فاذا أخذت الحيوان دون أن يعلم شيئًا، وأقعدته على جنبه وذبحته بسكين حاد، فانه لن يشعر بأي شيء الا جزء من ثانية
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَالدَّمَ) وَالدَّمَ الخارج من الحيوان فانه يحرم شربه
لأن العلة في تحريم الميتة هي ان يتخلص جسم الحيوان من الدم الفاسد، فمن باب أولى أن يحرم شرب الدم نفسه
قد يسأل سائل هل أحد يشرب الدم ؟
نقول أن العرب كانت تطبخ الدم، والآن توجد عدد من القبائل تشرب الدم، فهناك قبيلة بدوية في سيبيريا في القطب الشمالى، تشرب دم حيوان الرنة، لاعتقادهم أنه يمنحهم الدفء، وهناك قبيلة في أفريقيا الشراب التقليدي عندهم هو شرب دماء البقر المخلوط باللبن
في المملكة السعودية يعتقد البعض أن شرب دم قبائل معينة (قبيلتي السهول ومطير) يشفي من أمراض معينة
في مصر يشرب البعض دم "الترسا" وهي السلحفاة البحرية، ويعتقدون أنها تزيد القدرة الجنسية ويقضى على النحافة
أذكر أنه في احد القنوات الفضائية سألت متصلة عن شرب دم طائر معين للشفاء من شيء معين، والعجيب أن المفتى وهو حاص على الدكتوراه في الشريعة  أجاب بالجواز
وهذه بالطبع فتوي غير صحيحة، وكل الذي يشرب الدم فهو حرام، والذي يعتقد في فوائده أو أنه يشفي من أمراض معينة فهذا غير صحيح، ولو كانت له فائدة واحدة فله أمامها عشرات الأضرار، وقد حسم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- هذه القضية فقال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
هناك قبيلة في سيبيريا تشرب دم حيوان الرنة
قبيلة في أفريقيا يشربون دماء البقر 
في مصر يشرب البعض دم "الترسا"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) والمقصود كل الْخِنْزِيرِ وليس لحمه فقط، ولكم ذكر لحمه لأنه معظمه
الْخِنْزِيرِ له طبيعة رمرامة في الأكل فهو يأكل أي شيء: يأكل النبات والحيوان والجيف والنفايات، حتى أنه يأكل فضلاته وفضلات غيره، ولو مات ابنه يأكله، وبسبب طبيعته الرمرامة في الطعام فانه يكون معرضًا للإصابة بالعديد من الأمراض
الْخِنْزِيرِ له طبيعة رمرامة في الأكل
ومن المعروف أن من مسببات الأمراض في أكل لحم الخنزير هو الدودة الشريطية، وهذه الدودة تدخل يرقاتها في مجري الدم وقد تصل الى المخ او القلب أو الكبد أو الرئتين أو الحبل العصبى المركزي فتسبب أمراض خطيرة تنتهي بوفاة المريض بعد معاناة طويلة
وليست الدودة الشريطية هي وحدها، بل هناك عدد آخر من الديدان الخطيرة جدًا والشرسة، مثل ديدان التريشينا Trichina والتى تنتشر يرقاتها في عضلات الجسم، وتؤدي الى اقعاد المريض اقعادًا كاملًا، وأحيانًا الى الوفاة، ومصاب حاليًا بهذا المرض 47 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، ونسبة الوفاة بين المصابين تبلغ 3 % ، والخنزير هو المصدر الوحيد لإصابة الإنسان بهذا المرض الخطير
وهناك قائمة طويلة من الأمراض البكتيرية والفيروسة والسرطانية الخطيرة والقاتلة، والتى أثبت العلماء انها تنتقل عن طريق أكل  لحم الخنزير 
أما لماذا يأكل بعض الغربيون لحم الخنزير برغم أنه أصبح مؤكدًا أنه يتسبب في كل هذه الأمراض ؟ فلأن الخنزير لا يكلف أي شيء، فهو يأكل النفايات، وفي نفس الوقت يكون مكتنزًا باللحم
هناك قائمة طويلة من الأمراض تنتقل عن طريق أكل  لحم الخنزير 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) 
أصل الإهلال في اللغة رفع الصوت
ولذلك قيل للملبي في حجة أو عمرة "مهل" لأنه يرفع صوته بالتلبية
ومنه "استهلال" الصبي، إذا صاح عند نزوله من بَطن أمه 
حتى في لغتنا الدارجة نقول: هذا الرجل يهلل، أي يرفع صوته
فسمي الذبح إهلالاً، لأنهم كانوا اذا أرادوا الذبح لآلهتهم، سموا آلهتهم ورفعوا بذلك أصواتهم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
فقوله تعالى (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) أي ما ذبح لغير الله
حتى لو ذكر اسم مَعَ اسْمِ اللهِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، ومن ذلك مَا يَجْرِي فِي الْأَرْيَافِ كَثِيرًا مِنْ قَوْلِهِمْ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِسْمِ اللهِ، اللهُ أَكْبَرُ، يَا سَيِّدُ، يَدْعُونَ السَّيِّدَ الْبَدَوِيَّ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَبَّلَ النَّذْرَ وَيَقْضِيَ حَاجَةَ صَاحِبِهِ، فهذاَ كَيْفَمَا أَوَّلْتَهُ فَهُوَ مُحَرَّمُ، حتى لو ذكرت اسم الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فانه لَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَ الذَّبْحِ غَيْرُ اسْمِ الْمُنْعِمِ بِالْبَهِيمَةِ 
لو ذكر اسم مَعَ اسْمِ اللهِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، فهذاَ كَيْفَمَا أَوَّلْتَهُ فَهُوَ مُحَرَّمُ
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
هناك بحث مثير قام به عشرون من العلماء في الجامعات السورية أثبتوا فيه مجهريًا أن التسمية والتكبير عند الذبح يقوم بعملية تعقيم كامل وتطهير لبدن الحيوان، بينما نسيج اللحم المذبوح بدون تسمية وتكبير كان محتقنًا ببعض بقايا الدم، ومصابًا بمستعمرات عدد من الجراثيم، وقد فسر فريق البحث ذلك بأنه لوحظ شدة اختلاج عضلات الحيوان الذي يذكر عليه اسم الله عند ذبحه، وأن شدة الاختلاج هذه هي التى تقوم باعتصار معظم دم الذبيحة، بينما لا يحدث ذلك في حالات عدم التسمية والتكبير
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ)
(فَمَنِ اضْطُرَّ) أي فمن أكله مضطرًا 
ومعنى الإضطرار هنا: ليس أنه لا يوجد في هذا المكان لحم غير هذا، وأنا أريد أن آكل لحم، مللت من أكل لحم الدجاج، أو أن اللحم الحلال يبالغ البائع في سعره 
ولكن الضرورة هو أنه لا يوجد اي طعام غيرها، فاذا لم يأكل منها مات من الجوع
وهذه من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية ، والتي اتفق عليها العلماء : أن "الضرورات تبيح المحظورات"
ومعنى الإضطرار أنه لا يوجد اي طعام غيرها، فاذا لم يأكل منها مات من الجوع
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) 
(بَاغٍ ) لغة أي تجاوَز الحَدَّ واعتدى 
فمعنى (غَيْرَ بَاغٍ) ألا يتَجَاوِزٍ قَدْرَ الضَّرُورَةِ 
فلا يجوز أن يأكل حتى يشبع أو يملأ بطنه، وانما يأكل فقط قدر ما يحفظ حياته حتى يصل الى الطعام الحلال
(وَلَا عَادٍ) 
أي بشرط عدم الاعتداء على الآخرين
لأن هذا الإضطرار الى اكل الميتة وغيرها من المحرمات، يكون غالبًا في وقت المجاعات، فينبه الله تعالى الى عدم اعتداء القوي على الضعيف ويأخذ طعامه أو شرابه، ويقول أنا مضطر 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وهذا التحديد من الله تعالى، لأن الِاضْطِرَارِ متروك للتقدير الشخصى، فكان لابد من التحديد حتى لا يَزْعُمُ أحدهم أَنَّهُ مُضْطَرٌّ وَهو لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ، وَيَذْهَبُ بِشَهْوَتِهِ إِلَى مَا وَرَاءَ حَدِّ الضَّرُورَةِ، فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ:(غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَاد) كَيْفَ تُقَدَّرُ الضَّرُورَةُ بِقَدْرِهَا
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(فلا إِثْمَ عَلَيْهِ) اشارة الى  أن المسألة فيها إثم أباحه الله عَزَّ وَجَلَّ للضرورة؛ وذلك حتى لا نحلها تحليلاً دائماً، فإذا مازالت الضرورة عدنا إلى أصل الحكم.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وبعد هذا التحديد لقدر الضَّرُورَةُ، يختم الله تعالى الحكم بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
لأن تَحْدِيدِ الِاضْطِرَارِ دَقِيقٌ جِدًّا، وَمَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْمُضْطَرّ، ويستحيل على المشرف على الهلاك أن يعرف بالدقة الكاملة القدر الذي ينقذه من الهلاك ويقف عنده، فيخبره الله تعالى بِأَنَّ الْخَطَأَ فِي هذا الِاجْتِهَادِ مَغْفُورٌ لَهُ مَا لَمْ يكن متعمدًا تَجَاوُزَ الْحُدُودِ، لذلك ذكر اسم الله تعالى (غَفُورٌ) ثم ذكر (الرَحِيمٌ) لأن ذلك من رحمة الله تعالى
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇