Untitled Document

عدد المشاهدات : 1169

الحلقة (65) من تدبر القرآن العظيم- تدبر الآية (80) و(81) و(82) سورة البقرة وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَع

  تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الخامسة والستون
تدبر الآية (80) و(81) و(82) سورة البقرة
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

قال تعالى في أية قبل السابقة، وهي الآية (78) من سورة البقرة (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)
وقلنا أن معنى قوله تعالى (أَمَانِيَّ) أي أماني كاذبة يتمنونها على الله تعالى وهي غير صحيحة
ويضرب الله تعالى مثالًا على هذه الآماني الكاذبة، فيقول تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

هناك في اللغة "المس" و"اللمس" 
فالمس هو اقتراب شيء من شيء، ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساسا خفيفا لا يكاد يذكر
ولكن اللمس هو أن تضع يدك على شيء، فتشعر بهذا الشيء احساسًا كاملًا، فتشعر بحرارة الشيء الذي وضعت يدك عليه أو برودته، أو خشونته أو نعومته
ربة المنزل مثلًا تمس المكواة لتعلم هل سخنت أم لا، ولكنها لا تضع يدها عليها
اذن المقصود بقولهم (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) أن عذابهم يوم القيامة هو مجرد أن يقتربوا من النار ولا يحسون بحرارتها الا احساسًا خفيفًا لا يكاد يذكر
وقولهم (أَيَّامًا مَعْدُودَةً) يعنى قليلة، لأن الشيء اذا قيل عنه أنه معدود فهو قليل، كما قال تعالى في سورة يوسف (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) 
اذن فهم اختاروا أقل القليل في العذاب فقالوا (تَمَسَّنَا) واختاروا أقل القليل في العدد فقالوا (أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
التعبير الذي استخدموه يدل على بطلان كلامهم
لأن المس يكون للحطة أو أقل من لحظة، ثم قالوا بعد ذلك أيامًا معدودة 
اذن كلامهم متناقض، وهو يدل وحده على بطلان هذا الإعتقاد
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

يقول تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
فمن الأماني الاكاذبة أن اليهود يقولون أنهم لن يعذبوا في النار الا أربعين يومًا فقط، وهي الفترة التى عبدوا فيها العجل
لأن الله تعالى عندما عبدوا العجل أقسم –تعالى- أن يعذبهم عن كل يوم عبدوا فيه العجل في الدنيا، بيوم في النار يوم القيامة، والله تعالى لابد أن يبر بقسمه
ولذلك قيل أن اليهود جاءوا الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقالوا له:
- لَنْ نَدْخُلَ النَّـارَ إِلا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَسَيْخُلُفَنَا إِلَيْهَا قَوْمٌ آخَرُونَ -  يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ
فأشار الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اليهم وقال لهم:
- كذبتم والله، بَلْ أَنْتُمْ فِيهَا خالدون مُخَلَّدونَ لا يَخْلُفُكُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ
فأنزل الله تعالى هذه الآية (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً......)
 

جاء اليهود الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقالوا له:
لَنْ نَدْخُلَ النَّـارَ إِلا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَسَيْخُلُفَنَا إِلَيْهَا قَوْمٌ آخَرُونَ
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

وهذا من غبائهم لأنهم:
أولًا: يستخفون بعذاب الله تعالى، وكأن العذاب لمدة أربعين يومًا شيئًا هينًا
وثانيًا: أنهم يرون أن الذنب الوحيد الذي ارتكبوه هو عبادة العجل
ثالثًا: أن ذنب عبادة العجل هو ذنب قد تاب الله تعالى عليهم منه، لأن الله شرع لهم التوبة من هذا الذنب، وكانت توبتهم هي ان يقتل بعضهم بعضا، فمن عاش تاب الله عليه، ومن مات فهو شهيد 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 يقول تعالى (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

 

يقول تعالى لنبيه-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قل يا محمد، لمعشر اليهود 
(أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا) 
والعهد هو الميثاق والإلتزام
فالمعنى هل عندكم بهذا الكلام عهد أو ميثاق أو نصًا في التوراة 
 (أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الباطل
 (أَمْ) بمعنى "أو" أو بمعنى "بل"
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ (أو) تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
فالمعنى أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، فاذا لم يكن هناك عَهْدًا فأنتم  تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
عندما تقول ذلك تكون واثقًا أن الذي تقول له ذلك لا عهد له عندك
أو: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ (بل) تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
وهنا لا يسألهم، ولا ينتظر منهم جوابًا، بل يضع الجواب بنفسه، وأيضًا الذي يقول هذا يكون واثقًا بأن المخاطب ليس عنده جواب آخر
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

 (بَلَىٰ) لغة: حرف جواب، مثل "نعم" و"أجل" 
ولكنها جواب في النفي، تأتي لنفي ما سبقها، وايجابًا لما بعدها 
كأن بلى تأني لتعطي حكمًا مناقضًا لما قبلها
فلو قال لك أحدهم: ليس لك عندي شيء
لو قلت "نعم" كأنك تقرر أنه ليس لك عنده شيء
لكن لو قلت "بلي" يعنى أنت تنفي ما يقول
بلى عندي لك شيء
يعنى نفت ما قبلها وأوجبت ما بعدها
فاليهود قَالُوا (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) فكان الجواب من الله تعالى (بَلَىٰ) يعنى كلامكم باطل، ستمسكم النار، ولن تمسكم فقط ولكن ستخلدون في النار  
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

 وبعد (بَلَىٰ) التى تقول أن كلامه باطل  يذكر الله تعالى الحكم النهائي الصحيح ، فيقول تعالى من الذي سيدخل النار ويخلد فيها، ومن الذي سيدخل الجنة ويخلد فيه   
(مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ) الكسب هو استجلاب النفع 
فالمعنى أنه متخيل (اعتقد) انه يكسب من السيئات
والسيئة هنا بمعنى الكفر، يعنى من ارتكب سيئة الكفر 
لأنه قال بعدها (هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ) والخلود في العذاب يكون بسبب الكفر
كأن الله تعالى يقول لهم أن عدم اسلامهم كفر به تعالى، لأنهم أولًا كفروا بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وكفروا بجميع التشريعات التى جاء بها الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وهي التشريعات الناسخة الجامعة المانعة الخاتمة
(وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓ‍َٔتُهُۥ) الإحاطة في اللغة هي الشمول، ومنها حائط المنزل
وهنا شبه الله تعالى الخطايا التى يرتكبها الكافر بجيش من الأعداء يحيط به، لا يستطيع النجاة منه 
 (فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ) وقال الله تعالى عليهم أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ لأنهم ملازمين للنار 
ولأن النار وعدت بعذابهم
(هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ) الخلود هو المكث، يعنى هم ماكثون فيها، ولذلك سمي يوم القيامة بيوم الخلود، ردًا على قولهم أيامًا معدودة
(فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ
(وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) 
كعادة القرآن يرجي الله تعالى ويخوف، ويعقب التخويف بالرجاء، وبضدها تتميز الأشياء
لأن لذة النفس هو أن تزحزح عن عذاب وأن تدخل نعيم
اذن قال اليهود من بنى اسرائيل (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) ثم يعد ذلك يدحلون الجنة، ويخلفهم في النار قوم آخرون، ويقصدون بذلك النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه، فأخبرهم الله تعالى بالحكم النهائي في هذه القضية، بأنهم سيخلدون في النار، وسيخلد المؤمنين في الجنة 
(وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ)