Untitled Document

عدد المشاهدات : 985

الحلقة (64) تدبر الآية (78) و(79) سورة البقرة وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَش

  تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الرابعة والستون
تدبر الآية (78) و(79) سورة البقرة
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

)أَمَانِيَّ) جمهور القراء على تشديد الياء، وقرأ البعض بتخفيف الياء
(وَمِنْهُمْ) أي من بنى اسرائيل (أُمِّيُّونَ) لا يستطيعون القراءة والكتابة، وكلمة "أمي" نسبة الى الأم، لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب
أو نسبة الى الأم لأن الذين كانوا يجيدون الكتابة في ذلك الوقت كانوا من الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب من الرجال -إلى أمه- في جهله بالكتابة
وأغلب العرب كانوا أميون لا يجيدون القراءة ولا الكتابة ولا الحساب، يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "ودرب ذلك عند العرب ملكة الذاكرة لديهم، فكانوا يتمتعون بذاكرة قوية، وساعد ذلك في حفظ القرآن الكريم وسنة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

الكثير الآن يقول أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يكن أميًا، وأن قوله تعالى في القرآن العظيم "النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ" نسبة الى "أم القري" وهي مكة
نقول أنه لا يقلل من شأن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الإطلاق أنه لا يجيد القراءة والكتابة، بل أميته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شرف له -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ودليل آخر، الى جانب عشرات الأدلة، على نبوته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأنه جاء بهذا القرآن المعجز دون أن يقرأ كتابًا واحدًا في حياته
يقول تعالى في سورة العنكبوت (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ )
فالله تعالى تحدي العالم كله أن يأتي بسورة واحدة من القرآن، ولو اجتمع كل علماء الإنس والجن لا يأتون بسورة واحدة من القرآن، فما بالك اذا كان الذي جاء بهذا القرآن أمي لا يعرف القراءة والكتابة
وحتى الآن عندما يتحدث أحد علماء الغرب عن الإشارات العلمية في القرآن، يقولون: كيف ذكر محمد هذا الكلام منذ أربعة عشر قرنًا وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

اذن (وَمِنْهُمْ) أي من بنى اسرائيل (أُمِّيُّونَ) لا يستطيعون القراءة 
(لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ) 
(الْكِتَابَ) هو التوراة
(لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ) لا يدرون ما فيه.
اذن معنى (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ) أنهم  لَا يَعْلَمُونَ شيئًا من التوارة الذي أنزلت عليهم (إِلَّا أَمَانِيَّ)
(إِلَّا أَمَانِيَّ) أي إِلَّا أَمَانِيَّ كاذبة يتمنونها على الله، سمعوها من علمائهم وأحبارهم وآبائهم فصدقوهم وقلدوهم، مثل ادعاء علمائهم (أنهم شعب الله المختار) و (وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ) وقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقولهم (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وقولهم (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) 
اذن فالمعنى أن من بنى اسرائيل، وهم الغالبية الغالبة أُمِّيُّونَ، لم يقرؤا التوراة، وانما اعتمدوا في علمهم عن التوارة وعن الدين على علمائهم الذين ينقلون اليهم أَمَانِيَّ كاذبة يتمنونها على الله وهي غير صحيحة
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

كذلك "التَّمَنِّي" تعنى التلاوة، مثل: "تمنى كتاب الله" أو "تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ" 
كما قال تعالى في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) يعنى الا اذا ألقي الشيطان في تلاوته، ثم قال تعالى (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ) يعنى فلا يصل لك الا الوحي الصحيح كما نزل من الله 
اذن فمنى (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ) أن من بنى اسرائيل من يقرأ التوراة من أولها الا آخرها، مجرد قراءة بلا فهم للمعنى؛ ومن لم يفهم المعنى فهو في حكم من لا يعرف القراءة؛ لأنه لا يستفيد شيئاً بقراءته
وهذا مثل قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)
فالأمية هنا بمعنى عدم الفهم، أو ما نطلق عليه "الأمية الدينية" 
يقول الإمام "محمد عبده" وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّمَنِّي قَدْ بَرَزَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى سَبَقُوا مَنْ قَبْلَهُمْ، فَقَدْ أَمْسَوْا أَكْثَرَ الْأُمَمِ تِلَاوَةً لِكِتَابِهِمْ، وَأَقَلَّهُمْ فَهْمًا لَهُ وَاهْتِدَاءً بِهِ.
الإمام "محمد عبده"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

اذن روعة التعبير القراني (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) تحمل معنيين
المعنى الأول: أنهم لايجيدون القراءة فلم يقرؤا التوراة، وانما اعتمدوا في علمهم على علمائهم الذين ينقلون اليهم أَمَانِيَّ كاذبة يتمنونها على الله وهي غير صحيحة
والمعنى الثاني: أنهم يتلون التوارة من أولها الى آخرها بلا تدبر ولا فهم لما فيها من آيات أو أحكام  
فمعنى الأمية هنا: الذي لم يقرأ والذي يقرأ بلا فهم
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

ولذلك قال تعالى بعدها (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)  يعنى وَإِنْ هُمْ إِلَّا يشكون، ولا يعلمون حقيقة وصحة هذه الإدعاءات التى سمعوها على ألسنة علمائهم 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

الايات فيها –كذلك- عزاءًا للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وللصحابة، كأن الله تعالى يقول لهم لا يحزنكم عدم ايمانهم، فهم ليسوا ذوي علم وعقل وفهم ولم يقبلوا الإسلام ولا قبلوا رسالتك، ولكنهم أميون لم يقرؤا التوارة أو قرؤها بلا فهم
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

هذه طائفة من بنى اسرائيل، وهم طائفة العوام الذين لم يقرؤا التوارة أو الذين قرؤها بلا فهم 
ثم يتحدث الله تعالى عن الطائفة الثانية وهي طائفة العلماء من بنى اسرائيل، والذين استغلوا هذا الجهل وهذه الأمية، فيقول تعالى (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79))
"الوَيْلٌ" كلمة مشهورة من كلام العرب تعنى التهديد والوعيد، وقيل أن الوَيْلٌ هو جبل في جهنم، وقيل أنه واد في جهنم تستغيث جهنم من حره، ولو سيرت فيه الجبال لانصهرت، وقيل أنه واد  في أصل جهنم يتجمع فيه صديد أهل النار
والآية فيها وعيد شديد لعلماء بنى اسرائيل الذين حرفوا التوراة فزادوا فيها ما يشاؤون، وأخفوا ما يشاؤون، وأخفوا صفة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو غيروها، أو أولوا الآيات تأويلًا مغرضًا
وقوله تعالى (بِأَيْدِيهِمْ) دفع لشبهة المجاز
وقوله تعالى (بِأَيْدِيهِمْ) تخويف من الله تعالى لهم، فوق تخويفهم بقوله تعالى (فَوَيْلٌ)
كما تقول: سمعتك بأذني- قلت بعضمة لسانك- ذهبت بقدميك
وكرر الله تعالى كلمة "الويل" ثلاثة مرات 
والله تعالى يريد أن يخوفهم حتى يرتدعوا
 (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي عرضًا من أعراض الدنيا، مثل الإحتفاظ بالرياسة والقيادة الدينية، وكل شيء في الدنيا فهو ثمن قليل، يقول الحسن البصري: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.
الحسن البصري

*********************************

لمطالعة بقية الفصول- اضغط هنا

لمشاهدة الحلقات فيديو- اضغط هنا

 

*********************************