Untitled Document

عدد المشاهدات : 2276

الحلقة (52) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" شرح المتشابهات في الآية (58) من سورة البقرة، والآية (161) سورة الأعراف

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الثانية والخمسون
المتشابهات في الآية (58) من سورة البقرة، والآية (161) سورة الأعراف
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

في الآية )58) من سورة البقرة يقول تعالى: 
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) 
وفي الآية (161) من  سورة الأعراف يقول تعالى: 
(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) 
 

  ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

المتشابهات في الآيتين
في البقرة (وإذ قلنا) وفي الأعراف (وإذ قيل لهم)
(ادخلوا هذه القرية) (اسكنوا هذه القرية)
(فكلوا) بالفاء (وكلوا) بالواو
في البقرة (حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) وفي الأعراف (حَيْثُ شِئْتُمْ)
(ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة) (قولوا حطة وادخلوا الباب سجداً)
(نغفر لكم خطاياكم) (نغفر لكم خطيئاتكم)
(وسنزيد المحسنين) فيها واو (سنزيد المحسنين) بدون واو

اذن نفس الآية، ولكن تركيب الآية أو الصياغة اللفظية للآية مختلفة 
هذا الإختلاف يدل –أولًا- على بلاغة القرآن
 لأن من تفنن البليغ أن يذكر الشيء بأساليب متعددة دون أن يكون بينها تناقض
وهذا معروف عند البلغاء
ولكن ليس هذا فحسب، ولكن كل اختلاف يعطيك جانبًا من جوانب الصورة أو القصة
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

في آية البقرة، يقول تعالى (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا) 
وفي الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ) 
في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا) الأمر من الله تعالى، وهذا الأمر نقل على لسان نبي الله موسى –عليه السلام-
أما في سورة الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ) مبنى للمجهول، والفاعل هو: "موسى" و"هارون" والرَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، يقول تعالى (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وقد قلنا أن هذان الرَجُلَانِ هما "يوشع بن نون" و"مؤمن آل فرعون"
اذن قوله تعالى (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ) يشير الى أنه كانت هناك محاولات كثيرة وحثيثة من هؤلاء الأربعة لحث "بنى اسرائيل" على الامتثال لأمر الله بالقتال ودخول الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم 
وسياق الآيات في سورة المائدة يشير الى هذه المحاولات الحثيثة من هؤلاء الأربعة لحث "بنى اسرائيل" على الامتثال لأمر الله تعالى بالقتال، والى أن هناك مناقشات كانت بين موسى وهارون ويوشع بن نون ومؤمن آل فرعون من جهة وبقية بنى اسرائيل من جهة أخري، وهذه المناقشات حسمها بنو اسرائيل حين قالوا في نهاية المناقشة (قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ثم دعاء موسى عليهم حين قال ( قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ثم حكم الله تعالى عليهم بالتيه أربعين سنة (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)
ولو امتثل بنو اسرائيل الى قول الله تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا) لما كانت هناك حاجة الى قوله تعالى في سورة الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ)
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

في البقرة (ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ)
وفي الأعراف (اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) 
في البقرة أمر بالقتال ودخول القرية
وفي الإعراف بعد الانتصار في المعركة ودخول القرية، أمر من الله تعالى الى "بنى اسرائيل" بالإستقرار في القرية والسكن والطمئنينة فيها واتخاذها وطن لهم
اذن كل تعبير يعطى جانبًا من جوانب القصة
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

في البقرة (فَكُلُوا مِنْهَا) بالفاء، وفي الأعراف (وَكُلُوا مِنْهَا) بالواو 
الفاء تفيد الترتيب والتعقيب والسرعة، مثل (جاء محمد فمحمود) فمعنى ذلك أن محمد جاء أولًا ثم جاء محمود بعده بسرعة
والواو تفيد المعية، مثال (جاء محمد ومحمود)
في البقرة يتحدث تعالى عن المعركة ودخول القرية، ولذلك ناسبها الفاء التى تفيد السرعة، لأنهم كانوا جائعين فأكلوا بمجرد دخول القرية، والذي يدل على أنهم كانوا جائعين هو قوله تعالى (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا)
ولكن في الأعراف يتحدث تعالى عن السكن والإقامة في القرية، ولذلك ناسبها الواو، التى تفيد المعية، لأنهم حال الإقامة والسكن كلما جاعوا أكلوا
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

في البقرة (حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) 
وفي الأعراف (حَيْثُ شِئْتُمْ)
الرغد يعنى خصب وكثير
في سورة البقرة يشير الى أن وقت دخول "بنى اسرائيل" القرية كان الطعام كثير، أي أن الموسم الزراعي كان ثريًا وغنيًا
وكان ذلك من تلطف الله تعالى بهم، حتى يكون أول استقبال القرية لهم والطعام كثير، فيحببهم ذلك في الإقامة في القرية، لأنهم كانوا بدو يتنقلون في الصحراء، فكانت الإقامة في مكان واحد أمر صعب عليهم
أما في سورة الأعراف يتحدث الله تعالى عن اقامة "بنى اسرائيل" في القرية والسكن فيها، فقط يأتي عام فيه مطر كثير ويكون الموسم الزراعي غنيًا، وقد يأتي عام المطر فيه قليل، فيكون الموسم الزراعي فقيرًا، ولذلك لم يقل تعالى (رَغَدًا) حين تحدث عن السكن في القرية 
سبب آخر 
أن الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ، لأنهم كانوا جوعي، كما قالوا "خير أديم الجزع" ولذلك ذكر تعالى كلمة (رَغَدًا) أما الأكل حال الإقامة في القرية، فلم يكونوا في حالة جوع شديد، ولذلك ترك كلمة (رَغَدًا)
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

في البقرة (ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة) 
وفي الأعراف (قولوا حطة وادخلوا الباب سجداً)
قلنا من قبل أن (ادخلوا الباب سجداً) يعنى ادخلوا الباب بخضوع وخشوع وتذلل لله تعالى (وقولوا حطة) يعنى استغفروا الله تعالى وقولوا "اللهم حط عنا ذنوبنا"
فقوله تعالى في البقرة (ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة) وقوله في الأعراف (قولوا حطة وادخلوا الباب سجداً) كأن الآيتين تشيران الى أن الأمر أن يلزم بنى اسرائيل الإستغفار قبل دخول القرية وأثناء الدخول وبعد الدخول
كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

في البقرة قال تعالى (نغفر لكم خطاياكم) 
وفي الأعراف قال (نغفر لكم خطيئاتكم)
(خطاياكم) جمع تكسير، وجمع التكسير يدل على "الكثرة" 
مثل: رجال، منازل ، كراسي ، غرف ، أبواب ، مساجد ، جنود 
(خطيئاتكم) جمع مؤنث سالم، والجمع السالم يدل على "القلة"
مثل: عاملات ، حافلات ، إستراحات
فالآيتين يدلان على أن الله تعالى يغفر الذنوب جمعها كثيرها وقليلها، وكبيرها وصغيرها
ولكن في البقرة الذي يتحدث هو الله (وَإِذْ قُلْنَا) فناسبها قوله تعالى (خطاياكم) التى تدل على كثرة الذنوب، لأنه تعالى هو الغفور، الذي يغفر الذنوب جميعًا وان كثرت
أما في الأعراف (وَإِذْ قِيلَ) المبنى للمجهول، فيناسبها (خَطِيئَاتِكُمْ) التى تدل على قلة الذنوب
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

في البقرة (وسنزيد المحسنين) فيها واو
وفي الأعراف (سنزيد المحسنين) بدون واو
كما قلنا أن في البقرة المتحدث هو الله تعالى، ولذلك ناسبها "واو التأكيد" أما في الأعراف فالمتحدث: موسى وهارون ويوشع بن نون ومؤمن آل فرعون
كما هو الفرق بين أن يخاطب الملك زيدًا من الناس، وبين أن يبعث برسالة الى أحد، فاذا كان الخطاب مباشرة يكون العطاء أعظم، وعندما يبعث أحد برسالة يكون العطاء أقل
 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

هذا بعض اجتهادات العلماء، وكان ممن اجتهد في ذلك هو الإمام الفخر الرازي في تفسيره "التفسير الكبير" وبعد أن تحدث قال " هذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، وتمام العلم بها عند الله تعالى"