Untitled Document

عدد المشاهدات : 1071

الحَلَقَة (37) مِن "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآيات (41) من سورة البقرة (وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ

   تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة السابعة والثلاثون
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
تدبر الآية (41) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يستكمل الله تعالى في هذه الآية خطابه الى بنى اسرائيل فيقول تعالى: 
وَآَمِنُوا: يعنى وصدقوا
بِمَا أَنْزَلْتُ: وهو القرآن العظيم
لِمَا مَعَكُمْ: وهي التوراة والإنجيل
اذن معنى (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) أن القرآن الكريم مصدقًا للتوراة والإنجيل،  ومعنى أن القرآن الكريم مصدقًا للتوراة والإنجيل، أي مصدقًا أنها من عند الله تعالى .
لأننا نؤمن أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى وأنزل الإنجيل على عيسي 
ولكننا نؤمن أنه قد تم تبديل التوراة والإنجيل، سواء بالتحريف أو الحذف أو الإضافة 
اذن فنحن نؤمن بالتوارة الحقيقة التي لا زيف فيها، ونؤمن بالإنجليل الحقيقي الذي لا زيف فيه
وأيضًا (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) أي موافقًا لما معكم من نبوة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأن نبوة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مذكورة في القرآن العظيم، ومذكورة في التوراة والإنجيل
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 
(وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) والخطاب هنا ليهود المدينة، فالله تعالى يقول لا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب 
لأن قريش سبقت اليهود بالكفر بالقرآن، ونبوة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فالمقصود هنا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ من أهل الكتاب
وفي هذا تعريض بيهود المدينة، لأن أهل الكتاب بصفة عامة، ويهود المدينة بصفة خاصة كان المفروض أن يكونوا أول من يؤمن  بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
لأن أهل الكتاب ليس غريبًا عليهم أن يرسل الله تعالى رسولًا، وليس غريبًا عليهم أن ينزل الله تعالى كتابًا، وليس غريبًا عليهم قضية أفعل ولا تفعل، ويؤمنون بالبعث والحساب والجنة والنار
كل هذه القضايا مرفوضة من الكافر، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لأهل الكتاب، لذلك كان الأولى أن يكون أهل الكتاب أول الناس اسلامًا وايمانًا
ليس هذا فحسب بل ان صفة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مذكورة –كما قلنا- في التوراة والإنجيل بمنتهي الدقة، فصفاته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الخَلقية مذكورة بدقة، وصفاته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الخُلقية مذكورة بمنتهي الدقة، ومكان بعثته مذكور، ووقت بعثته مذكور
وقد قلنا أن  "عبد الله بن سلام" الذي كان يهوديا فاسلم قال: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي لمحمد أشد .
ولدرجة أن الله تعالى بحسن ظنه تعالى في أهل الكتاب، طلب تعالى شهادتهم في القرآن العظيم، فقال تعالى )وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)
من أجل كل ذلك كان ينبغي أن يكون أهل الكتاب أول الناس اسلامًا
وكان ينبغي أن يكون يهود المدينة بصفة خاصة أول من يؤمن بالرسول لأنهم جاءوا الى المدينة قديمًا، انتظارًا لبعثة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأنهم قرأوا في التوراة (مهاجره إلى أرض بين حرتين ، بينهما نخل) وهذا لا ينطبق الا على يثرب، لأنها محاطة بين حرتين وهما حرة الوبرة، وحرة واقم، وهي مشهورة بالنخيل والتمر 
من ذلك مثلًا أن رجلًا يهوديًا اسمه "ابن الهيبان" قدم من الشام وأقام في المدينة، وكان ذلك قبل مبعث الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بسنتين، وكان كثير العبادة، فكان اليهود اذا انقطع عنهم المطر، يطلبوا منه أن يستسقي لهم، فيخرج معهم، فما يقوم من مقامه حتى ينزل المطر، فلما حضرته الوفاة، اجتمع الناس حوله، فقال لهم: ما معشر يهود ما ترونه أخرجي من أرض الخصب والخير الى أرض القحط والجوع ؟ فقالوا: أنت أعلم، فقال: انما أخرجني أتوقع خروج نبى قد أظل زمانه، هذه البلاد مهاجره، فأتبعه
وكان يهود المدينة دائما يقولون للأوس والخزرج (إِنَّهُ سَيُبْعَثُ نَبِيٌّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ)
وهكذا بدلًا من أن يكون يهود المدينة أول من يؤمن بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كانوا هم أول من يكفر به من أهل الكتاب، ولذلك قال تعالى  (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)  تعريضًا بهم لأنهم كانوا يجب أن يكونوا أول من يؤمن به 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وأنتم لم تكونوا أول من كفر بالقرآن من أهل الكتاب فحسب، بل كنتم كذلك أول من كفر بالتوارة والإنجيل، التى من المفروض أنكم علماء فيها، لأنكم أنكرتم ما في التوراة والإنجيل من صفة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهذا كفر بالتوراة والإنجيل
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(ولَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)
والذي يشتري شيئًا يترك أمامه شيئًا آخر
فالذي يشتري سلعة يترك مقابل لها نقود
اذن فمعنى (لَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) أنهم تخلوا عن آيات الله مقابل ثَمَنًا قَلِيلًا
والمقصود بالآيات هنا: هي آيات التوراة والإنجيل الدالة على نبوة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو القرآن العظيم، وهو منهج الله تعالى 
أما الثمن القليل الذي أخذوه مقابل هذه الآيات، فهو أي شيء من الدنيا، مثل ما اعتقده اليهود أنهم يفقدون الزعامة الدينية في الجزيرة العربية، ويفقدوا السيطرة الإقتصادية
وسيفقد أحبارهم ورؤسائهم المزايا المادية التى كانوا يتمتعون بها، لأنهم كانوا يأخذون الأموال من عوامهم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الثمن هو الشيء ذو القيمة، ونحن نقول "هذا شيء ثمين" يعنى له قيمة كبيرة، حتى نحن نقول في لغتنا الدارجة: هذا شيء له ثمن، يعنى له قيمة
وهنا يقول تعالى (ثَمَنًا قَلِيلًا) ليدل على أن أي شيء مهما كان ذا قيمة فهو مقابل آيات الله لابد أن يوصف بالقلة
لأن الثمن عمره الدنيا وما عند الله خير وأبقي
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وانظر هنا الى الدقة الأدائية في القرآن حيث قال (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) لأن الإنسان يدفع الثمن مقابل السلعة، ولكنه هنا أخذ الثمن ودفع السلعة، فكأنه قلب الصفقة: الشيء الذي كان أن يجب أن يدفعه كثمن أخذه، والسلعة التى كان يجب أن يأخذها دفعها 
وهذه اشارة الى حمق وغباء من يتصرف هذا التصرف
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) يعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية وحجاب
فالمعنى: اتقوا متعلقات صفات غضبي وهو العذاب والنار
وفي هذا اعادة للترهيب بعد أن حذرهم الله تعالى في الآية السابقة، فقال (واياي فارهبون) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ما الفرق بين قول الله تعالى في الآية السابقة (إِيَّايَ فَارْهَبُونِ) وقول الله تعالى في هذه الآية  (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)
ولماذا جائت هذه بعد تلك ؟
السبب أن الرَّهْبَةَ مُقَدِّمَةٌ التَّقْوَى
لأن الرهبة –كما قلنا- هي الخوف والفزع
أما التقوي فهي ثمرة الخوف من الله، وهي أن تجهل بينك وبين غضب الله وقاية وحجاب
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وكل تذييل مناسب للآية التى جاء فيها
لأن الآية السابقة تأمرهم بالوفاء بالعهد (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) فناسبها أن يخوفهم الله تعالى من نكث العهد فقال (إِيَّايَ فَارْهَبُونِ)
أما هذه الآية فيأمرهم الله تعالى بالإيمان بالقرآن، والقرآن يقتضى افعل ولا تفعل ولذلك ناسبه قول الله تعالى (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)