Untitled Document

عدد المشاهدات : 2159

الحلقة (23) من "تدبر القرآن العظيم" تدبر الآيتين (19) و(20) من سورة البقرة : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ *

      تَدَبُر القُرْآن العَظِيم

   الحلقة الثالثة والعشرون

  ❇        

تدبر الآيتين (19) و(20) من سورة البقرة
 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

 ❇        

تحدثنا في الحلقة السابقة عن المثال الذي ضربه الله تعالى للمنافقين 
في هذه الآية يضرب الله تعالى مثالًا آخر لنوع آخر من المنافقين، وهم الذين يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخري، فيقول تعالى )أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) 
(أَوْ كَصَيِّبٍ) يعنى كمثل قوم أصابهم صيب
والصيب هو المطر، يقال: صاب يعنى نزل وانحدر، فسمي به المطر لنزوله من أعلى
والمطر خير، لأن الماء هو أصل الحياة، والمقصود بالمطر هنا هو الخير الذي جاء به الإسلام، والقرآن العظيم، وصحبة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
ولكن هذا المطر بالنسبة لهؤلاء المنافقون (فِيهِ ظُلُمَاتٌ) وهي ظُلُمَاتٌ الكفر والشك والنفاق والحقد على المسلمين، وكراهية الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
(وَرَعْدٌ) وهو ما يعتري هؤلاء المنافقين من خوف، ومنها كلمة (رعديد) وهو الذي يرتجف من شدة الخوف، لأن من شأن هؤلاء المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى في سورةالمنافقون (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)
 (وَبَرْقٌ) وهو ما يلمع في قلوب هذا النوع من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) 
يصور الله تعالى شدة خوفهم من الصواعق بأنهم يضعون أصابعهم في آذانهم، مع أن الذي يوضع في الأذن هو الأنملة فقط، فكأنهم من شدة خوفهم يحاولون أن يضعوا كل الأصبع في الأذن
اذن يقول الله تعالى أنهم من شدة خوفهم مِنَ الصَّوَاعِقِ أن تصيبهم فتقضى عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم، ولكنهم لا ينجون منها بذلك الفعل الأحمق، بل هم كالنعامة التى اذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمال لئلا تراه، وتظن أنها اذا لم تره تنجو منه
وكذلك الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا؛ بل إذا أراد الله تعالى )أن يصيبهم أصابهم؛ ولهذا قال تعالى (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ
فهو تعالى مُحِيطٌ بهم احاطة علم، لأنه تعالى يعلم خبايا نفوسهم
ومحيط بهم احاطة قدرة
أو محيط بهم احاطة اهلاك، كما قال تعالى في سورة الكهف (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) يعنى أهلك ودمر كل ثمره
❇        
 (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) "يَكَادُ" يعنى يقترب، يقترب الْبَرْقُ أن يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ وذلك لشدة ضوء الحق
ولكنهم مع ذلك في شك وتردد وتذبذب، كما قال تعالى في سورة النساء (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ) ولذلك قال تعالى (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) يعنى اذا ظهر لهم شيء من الإيمان استئنسوا به واتبعوه، (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) ثم تعرض لهم الشكوك فيقفوا حائرين
ثم يحذر الله تعالى المنافقين باسه وسطوته فيقول (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يعنى كما ذهب باسماعهم وأبصارهم الباطنة، فقال تعالى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) قدير على أن يذهب اسماعهم وأبصارهم الظاهرة
❇        
هناك لمحة أخري
المطر خير والماء أهم شيء في الحياة
ولكن المطر اذا كان شديدًا يكون مصاحبًا معه ظلمة ورعد وبرق
اذن المطر خير، ولكن يأتي معه ظلمة ويأتي معه رعد ويأتي برق
ظلمة لأن المطر ينزل من السحاب، وهذا السحاب ان كان نهارًا فهو يحجب ضوء الشمس، واذا كان ليلًا يحجب ضوء القمر والنجوم
والرعد والبرق يصاحبهما غالبًا عواصف ورياح هائجة، تسبب الكثير من الأضرار، وقد تسبب الوفيات، عدد الوفيات سنويًا 6000 شخص نتيجة الإصابة بالبرق 
فكأن الله يقول أن الخير الذي في هذا المثل، ليس خيرًا مجردًا، بل خير فيه منغصات
وآفة هذا النوع من المنافقين، الذين يضرب الله لهم هذا المثل، أنهم يريدون خير الإسلام فقط، فان أصابهم ابتلاء عادوا الى الكفر
وكان يجب على هؤلاء أن يصبروا على الإسلام، سواء كان صبرًا على الطاعة أو صبرًا عن المعصية، أو صبرًا في مواجهة أعداء الإسلام، كل ذلك يجب أن يتحمله في سبيل أن يبقي خير الإسلام، كما يبقي خير المطر بعد زوال هذه الضجة المصاحبة له من رعد وبرق، فينتفع بالماء سواء شرابًا له أو للبهائم أو للزرع أو تسربًا في الأرض يستخرج بعد ذلك على هيئة آبار وعيون
اذن الله تعالى يريد أن يقول أن المسلم حين يؤمن هذا خير، ولكن هذا الخير ليس مجردًا عن بعض المتاعب
ولذلك قال تعالى في سورة محمد  (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أو قوله في سورة العنكبوت (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)
ثم يكمل الله تعالى الصورة فيقول (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) كما قلنا لشدة نور الحق (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) عندما يستفيدون بعز الإسلام يمرحون ويسرون (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) عندما يصابوا يقفوا
❇        
الآيتين فيها تصوير للحالة النفسية لهؤلاء المنافقين كأنه مشهد محسوس
(صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) مطر شديد وظلام ورعد وبرق (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) فزع شديد (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) خطوات مترددة وجلة (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) وَقَفُوا حَائِرِينَ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ 
اذن كل هذا يصور تصويرًا عجيبًا حَرَكَةَ التِّيهِ وَالِاضْطِرَابِ وَالْقَلَقِ وَالْأَرْجَحَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا أُولَئِكَ الْمُنَافِقُونَ، بين وجودهم بين المؤمنين، ثم اجتماعهم برؤسائهم –شياطينهم- بين نطقهم بكلمة الحق، ثم نطقهم بكلمة الكفر، بين ما يكونون فيه من هدي ونور، ثم عودتهم الى الضلال والظلام
❇        
هذه الآيات كما قلنا تشبيه في غاية البلاغة، وهي في نفس الوقت من الناحية العلمية صيغت صياغة علمية دقيقة
هناك نوع من السحب، يطلق عليها السحب الركامية، هذه السحب يبلغ سمكها أكثر من 10 كيلو متر، وهذه السحب يكون وسطها مظلمًا، حتى لو كانت في وضح النهار، كما يولد في مركزها رعد وبرق (في مناطق اختلاف الشحنات الكهربائية) وهذا البرق لا نراه من الأرض، وهذه السحب تمطرنا في أغلب الأحيان
وقد وصف القرآن ما يحدث في داخل هذه الغيوم بدقة شديدة فقال (كصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) والعلماء لم يكتشفوا ذلك إلا في أواخر القرن العشرين
❇        
قول الله تعالى (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) في موضع آخر في سورة النور يذكر الله تعالى نفس التعبير فيقول (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ فما العلاقة العلمية بين البرق وبين خطف البصر أو الذهاب بالبصر
أولًا ما هو البرق ؟ البرق هو شرارة قوية، تنشأ نتيجة تصادم سحابتين: أحدهما تحمل شحنة كهربائية سالبة، والأخري تحمل شحنة كهربائية موجبة 
وهذه الشرارة الكهربائية من شدة لمعانها تحدث ما يطلق عليه العلماء "العمي المؤقت" هذا النوع من العمى ينتج من مصادر ضوء ساطع ومفاجئ مثل: البرق، الليزر، انعكاس الضوء من المباني العالية الزجاجي
والسبب العلمي لهذا العمي المؤقت، أن هذه الكمية الكبيرة من الضوء تصل الى العين على شكل طاقة حرارية، وتتسبب في تلف مؤقت في القرص البصري، وهذا يؤدي الى فقد للبصر لأجزاء من الثانية
ثم تتكيف العين تدريجيا مع استرجاع المادة الصبغية الموجودة في العين، والتى يطلق عليها "الرودوبسين"
أما جوانب الشبكية فلا تتأثر بفعل هذا الضوء، بل تظل سليمة، ولذلك قال تعالى (يَكَادُ) لأن الله –تعالى- رفق بعباده وجعل أثر البرق جزئيا، وكان باستطاعته أن يعمي العين كاملا إن أراد.
❇        
هناك دقة علمية في قول الله تعالى (أَبْصَارَهُمْ) ولم يقل (أعينهم) لأن تأثير البرق على "القرص البصري" وعلى عناصر أخري في العين تتعلق بعملية الإبصار، وليس على العين نفسها   
❇        
 هناك دقة علمية في قول الله تعالى (يَخْطَفُ) لأن الخطف هو الأخذ بسرعة، وهذا يتناسب مع سرعة البرق، لأن سرعة البرق هو نفس سرعة الضوء، وهو 300000 كم في الثانية الواحدة 
هذه السرعة تعني أن هذا الشعاع لو قدّر له أن يطوف حول الكرة الأرضية لقطعها خلال ثمن ثانية فقط!
وهكذا فإن الزمن اللازم لوصول هذا البرق إلى الشخص الذي سيصيبه هو أقل من جزء من مئة ألف جزء من الثانية! وهذا الزمن المتناهي في الصغر يناسب قوله تعالى: ﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾.