Untitled Document

عدد المشاهدات : 2081

الفصل الرابع والسبعون بعد المائتين: خُلُقْ الوفاء عند الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

أسْرَار السيرة الشَرِيفَة- منهج حياة

الجزء الرابع والعشرون:
من أخلاق الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
*********************************
الفصل الرابع والسبعون بعد المائتين
خُلُقْ الوفاء 
عند الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
*********************************

*********************************
مقدمة
الوفاء هو أن يلتزم الإنسان بما عليه من عهود ووعود
وقد أمر الله تعالى بهذا الخلق الطيب، فقال تعالى في سورة الإسراء ((وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ((
وحث الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الوفاء، روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ "

==========
شهادة "أبو سفيان" للرسول بالوفاء أمام قيصر
وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أكثر الناس وفاءًا، لا يغدر أبدًا، وعندما سمع قيصر الروم بالرسول وأخذ يستجوب "أبو سفيان" وهو قائد المشركين في ذلك الوقت، فمن المسائل التى سأل عنها قال: 
- هل يغدر؟ 
قال أبو سفيان: 
- لا 
فقال قيصر: 
 
 
- كذلك الرسل لا تغدر
 

 قال قيصر: كذلك الرسل لا تغدر
==========
  وفاء الرسول الى زوجته السيدة خديجة
حفظ الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للسيدة خديجة مواقفها العظيمة، وبذلها السخي، وتضحياتها الكثيرة، فلم يتزوج الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عليها طوال حياتها، مع أن هذا كان أمرًا طبيعيًا جدًا عند العرب في ذلك الوقت-
وكان للسيدة خديجة غلام من زوجها الأول اسمه "هند" وغلام من زوجها الثاني اسمه "هالة" فكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحسن جدًا معاملتهما، وكان "هالة" ربما يدخل على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو نائم، فيستيقظ الرسول ويبتسم له ويضمه الى صدره وهو يقول "هالة هالة هالة"
وبعد وفاة خديجة كانت تأتي "هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ" أُخْتُ السيدة خَدِيجَةَ وتطرق الباب، فيعرفها لأن طريقة طرقها للباب نفس طريقة خديجة، فيفرح النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فرحًا شديدًا ويقول: 
- اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ 
وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عندما يذبح شاة يحرص على أن يوزع من لحمها على صاحبات خديجة، ويقول: 
- اذْهَبْ بِهَذَا إلَى فُلَانَةَ
فتقول السيدة عائشة: 
- من هذه يا رسول الله ؟ 
فيقول:
- إنّ خَدِيجَةَ أَوْصَتْنِي بِهَا
ثم يقول 
- اذْهَبْ بِهَذَا إلَى فُلَانَةَ
فتقول السيدة عائشة: 
- من هذه يا رسول الله ؟ 
فيقول 
- كَانَتْ صَدِيقَةً لخَدِيجَةَ
ثم يقول 
- اذْهَبْ بِهَذَا إلَى فُلَانَةَ
فتقول السيدة عائشة: 
- من هذه يا رسول الله ؟ 
فيقول 
- إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خَدِيجَةً 
فتقول  السيدة عَائِشَةُ 
- لَكَأَنّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ امْرَأَةٌ إلّا خَدِيجَةَ
ولا يتوقف الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن ذكر السيدة خديجة وذكر فضلها-رضي الله عنها- حتى قالت السيدة عائشة يومًا: 
- ما غرتُ على نساءِ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا على خديجةَ، وإني لم أدركها

==========
وفي يوم بدر في السنة الثانية من الهجرة، وقع "الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ" زوج السيدة زينب بنت الرسول-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الأسري، لأنه كان لا يزال على كفره، وأرسلت كل عشيرة الأموال في فداء أسراها، وأرسلت السيدة زينب بنت الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في فداء زوجها، فارسلت قلادة كانت قد أهدتها اليها أمها السيدة خديجة في يوم زواجها
ورأي الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذه القلادة، وقلبها بين يديه، ورَقّ لَهَا رِقّةً شَدِيدَةً، وتأثر تأثرًا شديدًا، وقال لصحابته: 
- إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدّوا عَلَيْهَا مَالَهَا، فَافْعَلُوا 
فَقَالُوا: 
- نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ

إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدّوا عَلَيْهَا مَالَهَا، فَافْعَلُوا
==========
وفي يوم فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، أراد الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يبيت، وكان يمكن ان يبيت في أي بيت، وجميع البيوت ترحب به -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكنه ضرب خيمته الى جوار قبر خديجة، وكأن لسان حاله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول صدقت يا خديجة حين قلت "والله لا يخزيك الله أبدً" 

ضرب الرسول خيمته الى جوار قبر خديجة
==========
ثم أتت أحد صديقات خديجة واسمها "جثامة المزنية" فرحب بها ترحيبًا شديدًا، وجلس يتحدث اليها ويقول لها 
- كَيْفَ حَالُكُمْ ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا ؟
فسألته السيدة عائشة: 
- من هذه يا رسول الله ؟ 
فقال لها: 
- هذه صاحبة خديجة
فقالت له: 
- وفيم كنتم تتحدثون يارسول الله ؟ 
فقال لها -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: 
- كنا نتحدث عن ايام خديجة
فغارت السيدة عائشة وقالت في غضب: 
- هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها ؟ 
فتغير وجه الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  وغضب غضبًا شديدًا وقال: 
- لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء 
ورأت السيدة عائشة غضب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فاعتذرت اليه وقالت له:  
- إستغفر لى يا رسول الله 
فقال لها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  : 
- إستغفرى لخديجة حتى أستغفر لك

==========
وفاء الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى عمه أبو طالب
انظر الى وفاء الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى عمه أبو طالب، فقد انتقل الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد وفاة جده "عبد المطلب" الى كفالة عمه "أبو طالب" وعمره ثمانية أعوام، وظل الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في بيت عمه "أبو طالب" حتى تزوج وعمره خمسة وعشرون عامًا
ووفاءُا لعمه أبو طالب، بعد أن تزوج الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  وعندما كان عمر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ستة وثلاثون عامًا، أصاب المنطقة قحط، ومرت قريش بأزمة اقتصادية كبيرة، وتأثر بهذه الأزمة كثيرًا فقراء مكة، وكان ممن تأثر بهذه الأزمة الإقتصادية عمه "أبو طالب" ، ففكر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يساعد عمه أبو طالب في أن يحمل عنه عبأ بعض أبناءه بأن يأخذ أحد أبناء "أبو طالب" ليربيه في بيته
ولم يكتف الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بذلك بل ذهب الى أغنى أعمامه، وهو عمه العباس، وقال له: 
- يا عباس إن أخاك كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله 
كانت الفكرة حل عملي، ويحفظ لأبو طالب كرامته، لأن أبو طالب من سادة بنى هاشم، وهو المسئول عن "الرفادة" أي اطعام الحجيج، فليس من المقبول على الاطلاق أن يأخذ أي مساعدة من أي أحد
وبالفعل ذهبا الى "أبو طالب" وعرضا عليه الأمر، فوافق أبو طالب، وأخذ الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "على بن أبي طالب" وأخذ العباس "جعفر بن أبي طالب"  

==========
وفاء النبي حتى لكفار قريش
من صور وفاء النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن اثنين من الصحابة وهما "حذيفة بن اليمان" و"أبو حسيل" خرجا من مكة قبل معركة بدر، فقبضت عليهما قريش وقالوا لهما: 
- انكم تريدون محمدًا ؟ 
فقالا: 
- ما نريده، ما نريد الا المدينة
فأخذوا منهما عهدًا الا ينصرفوا الا الى المدينة، ولا يقاتلان مع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
فذهبا الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأخبراه الخبر، فقال لهما الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
- انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم

==========
وبعد انتصار بدر، قال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لو كان "مطعم بن عدي" حيًا ثم استشفعنى في هؤلاء –وهو أسري بدر- لشفعته فيهم
لأن مطعم بن عدي كان أحد خمسة رجال من قريش اشتركوا في نقض صحيفة مقاطعة قريش لبنى هاشم، وهو الذي أجار الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد عودته من رحلة "الطائف" 
فحفظ الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- له هذا الجميل، مع أن "المطعم بن عدي" كان كافرًا ومات كافرًا قبل بدر
==========
وكان أيضًا من الذين اشتركوا في نقض الصحيفة "أبي البختري بن هشام" ولم يكن يؤذي المسلمين في مكة، فلما كانت موقعة بدر، نهي الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن قتله
==========
بعد صلح الحديبية بعامين فقط تغيرت موازين القوي بالكامل لصالح المسلمين، والمعروف في علم السياسة أنه اذا تغيرت موازين القوي تتغير بعدها المعاهدات، ولكن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم ينقض العهد برغم من أن مكة تحت حكم المشركين وبرغم الأصنام التى على الكعبة وحولها، وبرغم الذين يطوفون بالبيت عرايا، وبرغم أمور كثيرة جدًا، ولكن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ظل محافظًا على العهد، وعلى بنود صلح الحديبية، حتى كانت قريش هي التى نقضت الصلح
==========
وفاء النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأهل الحبشة
وعندما قدم على الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفد النجاشي، قام الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: 
- نحن نكفيك
فقال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: 
- انهم كانوا لأصحابنا مكرمين، واني أحب أن أكافئهم

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************