Untitled Document

عدد المشاهدات : 1395

الفصل الخمسون بعد المائة: غزوة الأحزاب- الجزء الرابع- غدر "بنى قريظة" وزلزلة المؤمنون
أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة
الجُزْءُ الحادي عشر: غزوة الأحزاب
الفصل الخمسون بعد المائة
*********************************
غزوة الأحزاب- الجزء الرابع
غدر "بنى قريظة" وزلزلة المؤمنون
 
*********************************
 

 
*********************************
ملخص ما سبق من غزوة الأحزاب
نجح يهود "خيبر" في تحريض وتأليب وتجميع القبائل لحرب المسلمين، حتى حشدوا جيشًا ضخمًا قوامه 10000 مقاتل، وهو جيش لم تشهده الجزيرة العربية من قبل
واستقر رأي المسلمون على التحصن في المدينة، وعدم الخروج لملاقاة المشركين، لأن المدينة محصة بطبيعتها الجغرافية، سواء من جهة الشرق بالحرة الشرقية، ومن جهة الغرب بالحرة الغربية، ومن جهة الجنوب بجزء من الحرة الغربية وبالأحراش ومساكن "بنى قريظة" 
أما جهة الشمال فقد أخذ المسلمون برأي "سلمان الفارسي" بحفر خندق يمتد من أضيق نقطة من الحرة الشرقية الى الحرة الغربية 
وصلت جيوش الأحزاب الى المدينة ففوجئت بالخندق، وأخذ فرسان المشركين يدورون حول الخندق في غضب، وأخذوا يحاولون أن يجدوا نقطة ضعف ينفذون منها الى المدينة، أو أن يردموا جزء من الخندق ليبنوا طريقًا يعبروا عليه الى المدينة، وفي المقابل أخذ المسلمون يرمونهم بالسهام ليمنعونهم من ذلك
استمرت المناوشات بين الجانبين عدة ايام، كان المشركون مصرون فيها على اختراق الخندق والوصول الى المدينة، وكان المسلمون مستبسلون في الدفاع عن المدينة  
كانت هذه المناوشات صعبة جدًا وشديدة لدرجة أن الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فاتته صلاة العصر في وقتها في أحد الأيام، وفاتته صلوات الظهر والعصر والمغرب في أوقاتها في يوم آخر، وأسفرت هذه المناوشات عن بعض الجرحي والقتلي، وكان من أبرز هؤلاء "سعد بن معاذ" سيد الأوس من المسلمين عندما أصابه سهم في ذراعه، وتوفي بعد ذلك متأثرًا بهذا الجرح بعد انتهاء غزوة الأحزاب، ومن أبرز الذين قتلوا من جانب المشركين "عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ" الذي قتله "على بن أبي طالب" بعد مبارزة فردية عنيفة، وتعتبر من أقوي وأشهر المبارزات في تاريخ الحروب

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
"حي بن أخطب" يقنع "بنى قريظة" بالإنضام الى الأحزاب
اقترب حصار الأحزاب للمدينة من الثلاثة أسابيع، وكان هذا شاقًا على المسلمين ولا شك، ولكنه كان أكثر صعوبة على المشركين، لأنهم جاؤا الى المدينة وهم غير مستعدون لفرض الحصار لمدة طويلة، وبالتالي فليس لديهم مؤن تكفي كل هذا الجيش كل تلك المدة
وكان قد خرج ضمن الأحزاب "حي بن أخطب" سيد "بنى قريظة" والذي كان له الدور الأكبر في تجميع هذه الأحزاب
اجتمع "حي بن أخطب" مع زعماء الأحزاب، ووجدوا أن الحل هو ان تنضم اليهم "بنى قريظة" لأن "بنى قريظة" كما ذكرنا في الجنوب الشرقي للمدينة، ولو فتحوا الأبواب للمشركين لاجتاحوا المدينة، فما بالك لو حاربوا مع المشركين 
انطلق "حي بن أخطب" الى ديار بنى قريظة، وأتي "كعب بن اسد" سيد "بنى قريظة" فرفض "كعب بن أسد" في بداية الأمر ان يفتح له الباب، فلم يزل "حي بن أخطب" يكلمه حتى فتح الباب، ثم قال له حي بن أخطب:
- جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش وغطفان، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه
‏ فقال له كعب بن اسد:
- جئتني والله بذُلِّ الدهر، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاء
ولم يزل "حي بن أخطب" بكعب بن أسد حتى نقض العهد الذي بينه الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأعلنوا انضمامهم للإحزاب ضد المسلمين، وكان هذا تحول خطير جدًا في المعركة لصالح الأحزاب، لأن يهود "بنى قريظة" موجودون داخل المدينة، ويسيطرون على المدخل الجنوبي الشرقي من المدينة

جئتني والله بذُلِّ الدهر، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
السيدة "صفية" تقتل أحد يهود "بنى قريظة"
أرسل اليهود عيونهم الى داخل المدينة، وأخذوا يطوفون بالحصون التى بها النساء والأطفال والشيوخ، ليختبروا امكانية مهاجمة هذه الحصون
وكان في أحد هذه الحصون السيدة "صفية" عمة الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- و"حسان بن ثابت" شاعر الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فرأت السيدة "صفية" أحد اليهود يطوف بالحصن، فقالت السيدة "صفية" لحسان بن ثابت:
- انزل اليه فاقتله، فاني والله ما آمنه أن يدل اليهود على عوراتنا، وقد شغل عنا، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
فقال لها حسان بن ثابت:
- والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا
فأخذت السيدة صفية عمود، ونزلت الى اليهودي وضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت الى الحصن، وقالت لحسان بن ثابت:
- انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سبله إلا أنه رجل
فقال‏ لها حسان بن ثابت:‏ 
- ما لي بسلبه من حاجة‏.‏
بعد قتل هذا اليهودي لم يجرؤ أحد من اليهود على الإقتراب من حصون المسلمين، ولكن أخذوا يمدون جيوش الكفار بالمؤن كدليل عملي على انضمامهم اليهم ضد المسلمين

نزلت السيدة "صفية" من الحصن وقتلت اليهودي
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتأكد من غدر "بنى قريظة"
وصل الخبر الى الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بغدر بنى قريظة، فبعث الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "الزبير بن العوام" الى جهة "بنى قريظة" فوجد أنهم يرممون حصونهم ويستعدون للحرب، فعاد الى الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأخبره بذلك، فأراد الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يتأكد من ذلك فأرسل  أربعة من الصحابة وهم: السعدين: سعد بن معاذ –سيد الأوس- وسعد بن عبادة –سيد الخزرج- وعبد الله بن رواحة، وخَوَّات بن جبير، وقال هم:
- انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ‏؟‏ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس
فذهبوا اليهم، وسألوهم سؤالًا مباشرًا: 
- أما زلتم على العهد ؟ 
فقالوا: 
- أي عهد ؟ 
قالوا: 
- العهد مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ! 
فقالوا:
- من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد !
وسبوا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وجهروا بالسوء
فرجع الصحابة الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  وقالوا له: 
- عضل والقارة
يعنى غدر كغدر عضل والقارة، وهي القبائل التى غدرت بالمسلمين عند بئر "الرجيع" فاغتم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهذا الخبر حتى أنه غطي رأسه بالثوب، وظل كذلك فترة يفكر فيما يصنع، ثم رفع الغطاء عن رأسه وقال بصوت سمعه المسلمون:
- الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره
وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  يحاول بذلك بقدر المستطاع أن يرفع من همه المسلمين، ومن روحهم المعنوية

عاد الصحابة الى الرسول وقالوا له: عضل والقارة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
زلزلة المؤمنون
ولكن وبرغم هذه المحاولات من الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لعدم انتشار هذا الخبر بين المسلمين، ولكن انتشر هذا الخبر الخطير جدًا بين المسلمين
وكان هذا الموقف من أكثر المواقف حرجًا في تاريخ الدعوة الاسلامية، ومن أشد الإبتلاءات التى مر بها المسلمون، يقول تعالى ((إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)) أي من ناحية الشمال وهي الأحزاب أمام الخندق، "وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ" أي من ناحية الجنوب وهم يهود "بنى قريظة" ثم تحدث الله تعالى عن حال المسلمين فقال ((وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدً))
اذن وصل المسلمون في ذلك الوقت الى مرحلة "الزلزال" كما قال تعالى، وهي مرحلة مرت بها الأمة الإسلامية في خلال تاريخها كثيرًا جدًا، وهي المرحلة التى لا يثبت فيها الا المؤمن الصادق الإيمان، أما المنافق فلابد أنه سيقع 
اذن مرحلة الفتنة والإبتلاء الشديد والزلزلة هي من سنن الله تعالى في كونه، حتى يتميز الخبيث من الطيب، والمؤمن والمنافق
واذا جائت مرحلة الزلزلة فلابد أن يأتي النصر بعدها لا محالة للمؤمنين الصابرين الصادقين، يقول تعالى في سورة البقرة ((وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ))
ونعود الى المدينة، يصف الله تعالى حال المنافقين في المدينة في ذلك الوقت فيقول ((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)) كان المنافقون يقولون:
- كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط
وبدأ المنافقون في التسرب من الصف، يقول تعالى ((وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا)) هكذا بدأت تنقية صفوف المسلمين من شوائب المنافقين، وكانت هذه ودائمًا –كما ذكرنا- هي حكمة الله تعالى في الابتلاءات والفتن 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الرسول يفكر في عرض بعض المال على "غطفان" لتفكيك التحالف 
فكر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيما يمكن أن يفعله لمواجهة هذا الموقف الجديد، وأراد الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يفكك هذا التحالف، ففكر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يعرض بعض المال على قبائل "غطفان" في سبيل أن تنسحب غطفان وتترك حصار المدينة، وكان هذا المال الذي فكر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يعرضه على "غطفان" هو ثلث ثمار المدينة
وكان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واثقًا أنه اذا عرض على "غطفان" هذا العرض فانها ستوافق، لأن "غطفان" لم يكن بينها وبين المسلمين عداءًا شديدًا، والذي شجعها على الخروج لغزو المسلمين هو أن يهود "خيبر" اتفقوا معهم على أن يعطوهم نصف ثمار خيبر لمدة عامين، فاذا عرض الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يعطيهم من ثمار المدينة، دون قتال فلابد أنهم سيوافقوا وينسحبوا، فاذا انسحبوا سيصبح جيش الأحزاب أربعة ألاف بالإضافة الى يهود "بنى قريظة" وهؤلاء يمكن للمسلمين الإنتصار عليهم، كما حدث في بدر وكما حدث في الجزء الأول من معركة أحد

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستشير السعدين
استشار الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في ذلك السعدين: سعد بن معاذ –سيد الأوس- وسعد بن عبادة –سيد الخزرج- 
فقال سعد بن معاذ:
- يا رسول الله! هل هذا أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا ؟
فقال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
- بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم 
فقال سعد بن معاذ:
- يا رسول الله! قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها - أي: من المدينة المنورة - ثمرة واحدة إلا قرىً أو بيعاً -أي: ضيافة أو بيعاً-، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا به وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ ما لنا بهذا من حاجة
فرح الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- برأي سعد واقره -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومرة ثانية وعاشرة ينزل الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على رأي يخالف رأيه، وهذه هي مكانة الشوري في الاسلام
ولم يكن هذا الراي رايًا عنتريًا غير مدروسًا، ولكن كان نظرة استراتيجية صائبة تمامًا، لأن الاتفاق مع غطفان كان سيحل المشكلة لاشك، فتنسحب غطفان، ويتفكك التحالف، وتنهزم قريش واليهود، ولكن في نفس الوقت كان سيكون له تداعيات سلبية وخطيرة جدًا في المستقبل، لأن ذلك كان سيكون معناه أن غطفان قد حققت انتصارًا على المسلمين، وبذلك تهتز صورة المسلمين أمام الجزيرة كلها، وسيفتح باب الإبتزاز المستمر للمدينة، فكلما أرادوا مال جاءوا وحاصروا المدينة، خاصة أن قبائل غطفان من المرتزقة الذين يعيشون على قطع الطرق ومهاجمة القبائل

قال سعد بن معاذ: ما لنا بهذا من حاجة ؟
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
عاد المسلمون الى الجهاد مرة أخري، والمسلمون ثابتون ومصممون على النصر، نجح المسلمون في الإختبار، ولذلك لابد أن ياتي النصر، كيف حدث هذا ؟
 هذا سيكون حديثنا في الحلقة القادمة  

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************