Untitled Document

عدد المشاهدات : 1679

الفصل السابع والعشرون بعد المائة: معركة أحد- الجزء العاشر- أحد في القرآن العظيم

  أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة  

الجُزْءُ التاسع: الأحداث من "بدر" الى "أحد"
الفصل السابع والعشرون بعد المائة
*********************************
معركة أحد- الجزء العاشر
أحد في القرآن العظيم
*********************************

 
*********************************
ورد ذكر غزوة أحد في القرآن العظيم في سورة "آل عمران" في الآيتين: 121 و122 ثم من الآية 139 الى الآية 175 وبينهما آيات ليست في موضوع الغزوة
 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى في الآية 121 من سورة آل عمران 
((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ))
تتحدث الآية عن خروج الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لقتال المشركين في غزوة أحد، ومعنى ((تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ)) أن ترتيب الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للجيش فجعلهم كما أوضحنا صفًا واحدًا في أضيق مسافة بين جبل أحد وبين جبل الرماة، وجعل خمسين من أمهر الرماة على الجزء من الجبل على يسار المسلمين، والذي أطلق عليه بعد ذلك "جبل الرماة" حتى يقوموا برمي السهام في اتجاه خيل المشركين، ويمنعونهم من الاشتراك في المعركة

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((‏إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏))
 
قلنا أنه في الطريق الى أحد أعلن "عبد الله بن أبي بن سلول" رأس المنافقين، أنه سيعود الى المدينة، بل ودعا الجيش كله الى الانسحاب والعودة للمدينة، وقال "عصاني وأطاع الولدان، وما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا، ارجعوا أيها الناس" 
واستجاب لعبد الله بن أبي بن سلول ثلاثة مائة من المنافقين، وهذا يدل على أن أعداد المنافقين في المدينة كانت كبيرة  
وكاد أن يتأثر بانسحاب هذا العدد الكبير من الجيش، والذي يبلغ ثلث الجيش، عدد آخر من المؤمـنين، وهـم "بنو حارثة" من الأوس، و"بنو سلمة" من الخزرج، ولكن الله تعالى أنزل السكينة في قلوبهم، وتولى أمرهم، وثبتهم، وهذا هو قوله تعالى "‏إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏"‏
ومعنى "الفشل" في الحرب، هو الجبن والخوف من لقاء العدو، ومعنى "الهم" هو مجرد تحرك الخاطر نحو الانسحاب، وهذا الخاطر يصير في مرحلة ثانية قصداً وعزماً، ولذلك في سورة "يوسف" يقول تعالى "اذ هم بها وهمت به" وقلنا أن هم "يوسف" بامرأة العزيز، هو مجرد الخاطر، وهو أمر يمكن أن يحدث بمجرد وسوسة الشيطان، إذن فالذي حدث منهم هو مجرد هَمّ بخاطر الإنسحاب
وكأن الله تعالى يريد أن يقول لنا بهذا الموقف وهذه الآية: أن الإسلام منطقي في نظرته إلى الإنسان، فالإنسان تأتيه خواطر كثيرة، والله تعالى لا يؤاخذنا بهذه الخواطر، وأننا نحتاج الى عون الله تعالى لنا حتى لا تتحول هذه الخاطرة من مرحلة الهم الى مرحلة القصد والعزم
ولذلك قال أحد هؤلاء الذين هموا بالانسحاب "والله ما يسرني أني لم أهم، لأني ضمنت أين من الذين قال الله فيهم: {وَللَّهُ وَلِيُّهُمَا} وحسبي ولاية الله"

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ))
 
يواسي الله تعالى المسلمين بعد الهزيمة في أحد، ويقول لهم:
" وَلَا تَهِنُوا" يعنى لا تضعفوا عن قتال المشركين، ولا تجعلوا هذه الهزيمة تحبطكم أو تضعف نفوسكم
" وَلَا تَحْزَنُوا" لا تحزنوا بسبب الهزيمة، ولا تحزنوا على شهادئكم، لأنهم ذهبوا الى حياة خير من حياتهم، فالواجب أن تفرحوا لهم لا أن تحزنوا عليهم، ولذلك كان بعض أهالى الشهداء في الجزائر ومصر يستقبلون خير استشهاد أحد أبنائهم ليس بالنواح ولكن بالزغاريد 
"وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ" يعنى العلو والنصر لكم، ولكن بشرط "إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" اذن فالهزيمة كانت بسبب تخلخل الإيمان في قلوبكم حين خالفتم أمر الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ))
 
"إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ" القرح هو القتل والإصابات التى أصابت المسلمين في أحد "فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ"في بدر "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" و"داول" أي نقل الشيء من واحد لآخر، ولكن كلمة "ناس" فيه اشارة الى أن نقل النصر كان بمخالفة منكم، فأنتم عندما طرحتم المنهج وخالفتم أمر الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصبحتم مجرد" ناس" مثلهم، وما دمتم قد صرتم مجرد "ناس" بدون منهج فان النصر لكم يوم وعليكم يوم
وقوله ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)) يعنى أن الله تعالى لا يرزق الشهادة ولا يعطي هذا الفضل لأي مسلم، ولكن فقط من يختاره ويصطفيه لهذا الفضل 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 ((وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ))
 
"وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا" يعنى يختبر المؤمنين، وكل مصيبة تصيب الانسان فهي اختبار من الله تعالى
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ))
 
يقول تعالى أن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال، وأن دخول الجنة له ثمن،  وأن هذا الثمن هو الصبر، سواء الصبر عند القتال، أو الصبر على المصائب، أو الصبر على الطاعة، أو الصبر عن المعصية

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ))
 
قلنا أن الصحابة الذين لم يشتركوا في بدر كانوا يتمنون القتال حتى ينالوا الشهادة، ولذلك كان الحاحهم على الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للخروج لقتال المشركين، ورفضوا الاقتراح القئال بالتحصن في المدينة، ولكن بعضهم عندما واجه الموت ورآه أمام عينه جبن وخاف وفر من ميدان المعركة  
وهذه الآية فيها عتاب لهؤلاء 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ))
 
سبب نزول هذه الآية أنه قد شاع أثناء القتال خبر مقتل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلما وصل هذا الخبر الى المسلمون المحاصرون أمام جبل أحد، خارت عزائمهم وانهارت روحهم المعنوية، حتى فر البعض الى المدينة، وصعد البعض الجبل، بينما توقف عن القتال البعض الآخر ووقف مستكينًا، فقال لهم أنس بن النضر:‏ ما تنتظرون ‏؟‏ فقالوا:‏ قتل رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، قال ‏:‏ ما تصنعون بالحياة بعده ‏؟‏ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار، وهو مصاب اصابات بالغة وتسيل منه الدماء، فقال له‏:‏ يا فلان، هل قتل محمد ‏؟‏ فقال الأنصاري‏:‏ إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ، فقاتلوا عن دينكم ‏.‏
ونادى "ثابت بن الدَحْدَاح" قومه فقال:‏ يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قتل، فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم 
 
اذن هذه الآية عتاب على المسلمين الذين خارت عزائمهم عندما سمعوا خبر مقتل الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيقول الله تعالى لهم أن "محمد" رسول جائت قبله رسل كثيرون وقد مات هؤلاء الرسل وذهبوا، وسيموت مثلهم "محمد" -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهل يصح اذا مات أن ترجعوا الى الكفر
وقد ذكر "أبو بكر" هذه الآية حبن مات الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فكانت صدمة لجميع المسلمين، وأقعد على فلم يستطع أن يقف على قدميه، وأصاب عثمان الذهول فكان كالصبي يؤخذ بيده يمينًا وشمالًا، ورفع عمر سيفه وقال: من قال أن محمد قد مات قطعت رأسه، انه ذهب للقاء ربه كما ذهب موسي للقاء ربه وسيعود، فقال "أبو بكر" على رسلك يا عمر، لم ينظر اليه عمر، ثم قال أبو بكر "على رسلك يا عمر" وعمر يصيح ولا يلتفت الى "أبو بكر" فقال "أبو بكر" من كان يعبد محمد فان محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية الكريمة ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) يقول عمر فكأني أسمع هذه الآية لأول مرة، وسقط عمر ولم يستطع أن يقف على قدميه

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ))
 
يقول تعالى "وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ" أي وَعْدَهُ لكم بالنصر " إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ" أي تقتلونهم باذنه تعالى "حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ" وذلك عندما عصى الرماة وخالفوا أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعدم ترك مواقعهم على جبل الرماة "مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ" وهو النصر عليهم في الجزء الأول من المعركة، وقد كان انتصارًا ساحقًا لا يقل روعة عن انتصار بدر "مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا" وهم الرماة الذين خالفوا أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ورغبوا في الغنيمة، وقالوا: الغنيمة الغنيمة، لقد ظهر أصحابكم فما تنتظرون "وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ" وهم الرماة الذين رفضوا النزول من على الجبل، وكان عددهم عشرة، وقد ماتوا جميعًا شهداء، وغيرهم الكثيرين من الذين مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقدموا صورًا من التضحية لم يعرف التاريخ لها مثيلًا "ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ" أي وقعت الهزيمة عليكم لِيَبْتَلِيَكُمْ وليمتحنكم ويختبركم، ثم يقول تعالى "وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" أي أن الله تعالى عفا عما وقع فيه بعضكم في هذه المعركة، سواء الرماة الذين خالفوا أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو الذين فروا من أرض المعركة، 
ولذلك في أحداث الفتنة الكبري، جاء أحد الثوار من أهل مصر حاجًا، فقال لعبد الله بن عمر: هل تعلم أن عثمان تغيب عن بدر ؟ قال: نعم، قال: هل تعلم أن عثمان تغيب عن بيعة الرضوان ؟ قال نعم، قال: على تعلم أنه فر يوم أحد ؟ قال نعم، قال الرجل: الله أكبر، فقال له عبد الله بن عمر:
- أَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ، فقد بعَثَه رَسُولُ اللَّهِ الى مكة
- وأما تغيبه عن بدر فقد كانت زوجته ابنة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مريضة فمكث معها
- وأما فراره يوم أحد فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ، لقوله تعالى "وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" 

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))
 
الآية الكريمة تصور لنا لقطة من المعركة، حينما فر المسلمون من ميدان المعركة بعد أن أنقضت عليهم خيول المشركين من خلف ظهورهم، فقال تعالى "إِذْ تُصْعِدُونَ" أي تفرون سواء في الْأَوْدِيَة وَالشِّعَاب، او صعودًا في جبل أحد 
"وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ" يعنى لا يلتفت بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض من شدة الخوف والرعب
"وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ" يعنى وَالرَّسُول يَدْعُوكُمْ مِنْ خَلْفكُمْ ويقول: إِلَيَّ عِبَاد اللَّه , إِلَيَّ عِبَاد اللَّه !
"فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ" فَأَثَابَكُمْ غَمًّا على غم، وهو حزنهم على الهزيمة، وحزنهم على فقد أصحابهم والتمثيل بجثثهم
ولكن الملفت أنه الله تعالى لم يقل: فعاقبكم غَمًّا بِغَمٍّ، ولكنه قال "فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ" فكأن ما أصابهم ثوابًا من الله تعالى، لأن فيه تطهيرًا لهم من ذنوبهم بمعصية أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفرارهم من عدوهم 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ))
 
"اسْتَزَلَّهُمُ" يعنى أوقعهم في الزلل أي الخطأ والمعصية، واسْتَزَلَّهُمُ يعنى أزلهم لأن الإنسان عندما يرتكب المعصية فان هذا يعنى أن الشيطان قد انتصر عليه وقهرهه وأزله
"بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا" يعنى بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا من الذنوب، "وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ" العفو مرة أخري، "إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ" للمؤمنين "حَلِيمٌ" لا يعجل بالعقوبة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ))
 
"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ" يعنى هذه الرحمة أنت مطبوع عليها، وهو أمر وهبه الله تعالى لك، ولأنه أمر أنت مطبوع عليه، فأنا آمرك أن يتسع قلبك بالعفو عنهم سواء بمخالفة الرماة لأمرك بعدم ترك أماكنهم أو بفرار بعضهم من أرض المعركة، ليس هذا فحسب بل تستغفر لهم أيضًا 
ثم يأمر الله تعالى رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بألا يتوقف عن مشاورة أصحابه، وألا يتراجع أن التوكل على الله بعد العزم، فيقول تعالى "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" 
وقد جاء هذا الأمر بعد أن كان من أسباب الهزيمة أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نزل على رأي الأغلبية بالخروج لملاقاة المشركين، وبعد أن رفض أن يتراجع عن قراره بالخروج لملاقاة المشركين، فقال له الله تعالى، لو أدي كل ذلك للهزيمة، فلا تتوقف عن المشورة، ولا تتراجع عن التوكل بعد العزم 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))
 
"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ" وهي الهزيمة وقتل 70 منهم "قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا" أي في بدر، لأن المسلمين قتلوا في بدر 70 من المشركين، وأسروا سبعين، كان يمكنهم أن يقتلوهم، فكأن انتصار المسلمين في بدر هو ضعف انتصار المشركين، ولذلك قال تعالى "قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا"
"قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا" كيف يحدث هذا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ, وَهُمْ مُشْرِكُونَ ؟ "قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ" هذه الهزيمة مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، أي بسببكم أنتم، وبسبب مخالفة الرماة أوامر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبسبب فراركم من أرض المعركة 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ))
 
كل ما حدث في أحد هو باذن الله تعالى، وأنت اذا رأيت الباطل قد على على الحق فلا تحزن لأن ذلك باذن من الله تعالى، ولا يحدث شيء في مملكة الله تعالى الا باذنه، ولا تسقط ورقة من شجرة في مملكته تعالى الا باذنه، ولا يتنفس مخلوق في مملكته الا باذنه 
ثم يقول تعالى "وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا" أي أن حكمته تعالى حين يعلوا الباطل على الحق، أن يعلم الْمُؤْمِنِينَ، ويعلم المنافقين، والله تعالى يعلم ذلك قبل أن تقع الأحداث، ولكنه علم لا يكون حجة على العبد الا اذا حدث منه بالفعل، وهذا من تمام عدله تعالى، لأنه يجوز أن تقول يوم القيامة، يارب لو حدث كذا لفعلت كذا وكذا
مثل المعلم الذي يقول لطالب خائب "أنت راسب" فيقول الطالب: لو امتحنتني ما كنت لأرسب، ولكن اذا امتحتن الطالب ورسب، لن يجد الطالب شيئًا يقوله لأنه امتحن ورسب بالفعل
((وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)) يسجل الله تعالى هذا الموقف على المنافقين، حين انسحب "عبد الله بن أبي بن سلول" رأس المنافقين بثلاثمائة من الجيش، وعندما وقف أمامهم "عبدالله بن عمرو ابن حرام" وكانت له مكانة كبيرة في الخزرج ، وقال لهم "يا قوم أذكركم الله أن تخذُلوا قومكم ونبيكم" فقالوا: "لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنه يكون قتالا" وهذا هو قوله تعالى "قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ" واصروا على الإنسحاب، فلما استيئس منهم قال لهم: أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله تعالى عنكم نبيه
وقد حكم تعالى أن هؤلاء الذين انسحبوا جميعًا من المنافقين فقال تعالي "هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))
 
"الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ" من المنافقين " لَوْ أَطَاعُونَا" لو سمعوا كلامنا ورجعوا معنا ما كانوا قد قتلوا "قُلْ" فرد عليهم يا محمد "فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" يعنى اذا كان القعود في البيت وعدم الخروج للقتال فامنعوا الموت عن أنفسكم، ولكن الموت لا بد ان يأتي ولو كنتم في بروج مشيدة
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ))
 
بعد استشهاد شهداء أحد ورأوا ما هم فيه من النعيم، قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رغبة، فقالوا الله تعالى: انا أبلغهم عنكم، وأنزل تعالى هذه الآيات الكريمة ((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ..... ))
 
 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

انتهي الجزء التاسع من موسوعة السيرة الشريفة ويليه الجزء العاشر

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************