Untitled Document

عدد المشاهدات : 904

الفصل الرابع والتسعون: غزوة بدر الكبري- الجزء الثالث- الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستشير الصحابة ويتقدم الى

 أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة  

الجُزْءُ السابع: ملحمة بدر الكبري

*********************************

الفصل الرابع والتسعون

بدر الكبري- الجزء الثالث

الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستشير الصحابة

ويتقدم الى "بدر"

 *********************************

 

 *********************************

الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستطلع بنفسه

هكذا تقدم جيش مكة الى بدر، ووصل الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خبر خروج جيش مكة

ركب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، ومعه أبو بكر الصديق، وتقدم الجيش ليستطع بنفسه، ووجدا شيخًا أعرابيًا، فساله النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن قريش وعن محمد وأصحابه، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبرانى من أنتما ؟ فقال له الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إذا أخبرتنا أخبرناك، قال الشيخ: أو ذاك بذاك ؟ قال: نعم، فقال الشيخ: فإنه قد بلغنى أن محمد وأصحابه خرجوا يوم كذا فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، وذكر المكان الذي به جيش المسلمين، وبلغنى أن قريش خرجوا يوم كذا فإن كان الذى أخبرنى صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا

ثم قال: من أنتما ؟ فقال الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نحن من ماء" ثم انصرف قال الشيخ : ماء ! أي ماء ؟ ماء العراق، أم ماء كذا أم ماء كذا ؟!

وكان الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقصد أنه خلق من ماء لقول الله تعالى ((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) أو قول الله تعالى ((فلينظر الإنسان ممن خلق ، خلق من ماء دافق))

الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستجوب الأسيرين

هكذا علم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن قريشًا تقترب من ماء بدر، فلما كان المساء أرسل الى "بدر" كتيبة استطلاعية من: على بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، فوجدوا عند ماء بدر غلامين لقريش يملئون أسقية قريش، فقاموا بأسرهما، وذهبا بهما الى معسكر المسلمين، وكان الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قائم يصلى، فأخذ المسلمون يستجبوهما، فقالا لهما: بعثتنا قريش نسقيهم من الماء، وكان المسلمون لا يريدون مواجهة جيش قريش، وانما يريدون عير قريش، فأخذوا يضربوهما حتى اضطروا أن يقولا لهما: نحن لأبي سفيان فتركوهما

فلما فرغ الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من صلاته قال للصحابة: إذا أصدقاكم ضربتموهم، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش

ثم قال لهما: أخبرانى عن قريش قالا هم والله وراء هذا الكثيب، فقال لهما الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ‏‏"كم القوم‏" قالا‏:‏ كثير،‏ قال‏:‏ "ما عدتهم‏؟‏‏" قالا‏:‏ لا ندرى، قال‏:‏ ‏‏"كم ينحرون كل يوم‏؟‏‏ قالا‏:‏ يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف‏" ثم قال لهما‏:‏ "فمن فيهم من أشراف قريش‏؟‏‏"‏ قالا‏:‏ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وَزمْعَة بن الأسود، وأبو البَخْتَرىّ بن هشام، وغيرهم من سادة قريش، فأقبل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الناس وقال‏:‏ ‏‏"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها"

الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستشير الصحابة

هكذا تأكد للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن العير قد فلتت، وأن جيش مكة قد خرج للقتال، وأن جيش مكة جيشًا كبيرًا، وأن قوامه تقريبًا ثلاثة أضعاف جيش المسلمين، ويعلم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن الصحابة لم يخرجوا لقتال، وانما خرجوا لمهاجة قافلة تجارية حراستها أربعون رجلًا، فلذلك جمع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصحابة ليعرف مدي استعدادهم للقتال ولمواجهة جيش مكة

عرض الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الصحابة مستجدات الأمر، ثم قال "مَا تَرَوْنَ فِي قِتَالِ الْقَوْمِ" ؟ فقال بعض الصحابة "لا وَاللَّهِ مَالَنَا طَاقَةٌ بِقِتَالِ الْعَدُوِّ، وَلَكِنْ أَرَدْنَا الْعِيرَ" وقال البعض "لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم"

فظهرت الكراهة في وجه الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقال "مَا تَرَوْنَ فِي قِتَالِ الْقَوْمِ" ؟  فقام "أبو بكر" الصديق، فتكلم موافقًا على قتال قريش، فقال له الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خيرًا ودعا له

ثم قال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ" فقام عمر فتكلم موافقًا على قتال قريش، فقال له الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خيرًا ودعا له

ثم قال "أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ" فقام المقداد بن عمرو، وهو من أبطال المهاجرين، فقال:

-        يا رسول الله امض لما أُمرتَ به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (( قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ  ((ولكن نقول: اذهب أَنت وربك فقاتلا إِنا معكما مقاتلون؛ فوالذي بعثك بالحق نبيًا لو سِرْتَ بنا إِلى بِرك الغمَاد لجالدنا معك من دونه، حتى نبلغه

 فقال له الرسول خيرًا ودعا له، ثم قال: "أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ"

 

يا رسول الله امض لما أُمرتَ به فنحن معك

كان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يريد أن يعرف رأي الأنصار، لأن الذين تكلموا هم: أبو بكر وعمر والمقداد بن عمرو، وهؤلاء الثلاثة من المهاجرين، وهو يريد أن يعرف رأي الأنصار لأن الإتفاق الذي كان بين الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والأنصار في بيعة العقبة الثانية، ثم بعد ذلك في وثيقة المدينة هو الدفاع عن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضد من يهاجمه في المدينة من عَدُوِّهِ، ولم يتفقوا معه على أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوٍّ خارج المدينة

ولذلك حتى بعد أن سمع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قول أبو بكر وعمر وعثمان قال "أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ" ففهمها "سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ" سيد الأوس فقال: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ أَجَلْ، قَالَ:

-         يا رسول الله لقد آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، اِمْضِ يا رسول الله ، صِلْ حِبالَ مَن شئْتَ ، اقْطَع حبال من شئْت، سالِمْ مَن شئْت، عاد من شئت ، خُذْ مِن أموالنا ما شئت، فو الذي بعثك بالحق للَّذي تأخذه من أموالنا أحبّ إلينا من الذي تدعُهُ لنا، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يا رسول الله

سُرَّ الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ :

-        سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ  

 

وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ

هذا الموقف يظهر مدي شجاعة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهو -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الوحيد الذي فكر في قتال قريش، ولم يفكر أحد من الصحابة في هذا الأمر

ويظهر كذلك حنكته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- السياسية، لأن المسلمون في حاجة ماسة في تلك المرحلة الى تثبيت هيبتهم في الجزيرة، لأنهم دولة ناشئة، وكل الأنظار مركزة عليهم، وانسحاب المسلمون من المواجهة، كانت ستستغله قريش في الدعاية لنفسها وضد المسلمين، وبالتالي كان سيضعف جدًا من هيبة المسلمين عند العرب، وكان سيجريء القبائل على المسلمين، وسيكون له آثار سلبية كثيرة وخطيرة جدًا على المسلمين في المدينة

أيضًا انسحاب المسلمين الى المدينة كان ربما يجريء قريش على أن تواصل سيرها وتهاجم المسلمين في عقر دارهم في المدينة

وصل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى ماء بدر، وعسكر بجيشه وأمامه الآبار في انتظار جيش مكة

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************