Untitled Document

عدد المشاهدات : 1300

خطبة: تفسير آيَةَ الكُرْسِى

آيَةَ الكُرْسِى

الخطيب: الشيخ/ وائل فوزي

تاريخ الخطبة: 1431- 2010

المكان: مسجد "السيدة مريم- عليها السلام" بمنطقة الهجانة

مدة الخطبة: 30 دقيقة

 

أما بعد

o       حديثنا اليوم –ان شاء الله- عن أعظم آية في كتاب الله العظيم، وسيدة آي القرآن الكريم، حديثنا اليوم عن آية الكرسي

o       آية الكرسي لها خصائص ليست لغيرها من آيات القرآن الكريم

o       أول هذه الخصائص أن هذه الآية هي أنها أعظم آية في القرآن الكريم، وهي سيدة آي القرآن

o   عن أبي ذر –رضى الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، أي ما أُنْزِلَ عليك أعظم ؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}

o   وعن عبد الله بن عباس –رضى الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "أعظم سورة في القرآن البقرة، وأعظم آية فيها آية الكرسي"

o   وعن أبي هريرة –رضى الله عنه- أنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "إن لكل شىء سناما، و سنام القران سورة البقرة، فيها آية سيدة آي القرآن"

o   الخاصية الثانية: أنها تعدل ربع القرآن، عن أنس بن مالك قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا من صحابته، فقال: أي فلان، هل تزوجت ؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به. قال: أوليس معك: {قل هو الله أحد} ؟ قال: بلى . قال: ربع القرآن . أليس معك: { قل يا أيها الكافرون } ؟ قال: بلى . قال: ربع القرآن . أليس معك: { إذا زلزلت} ؟ قال: بلى . قال: ربع القرآن، أليس معك: { إذا جاء نصر الله والفتح } ؟ قال: بلى . قال: ربع القرآن، أليس معك آية الكرسي: { الله لا إله إلا هو} قال: بلى . قال : ربع القرآن

o       الخاصية الثالثة: أن قرائتها بعد كل صلاة سبباً لدخول الجنة، عنه –صلى الله عليه وسلم- لأنه قال "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت"

o   الخاصية الرابعة: أنها تحفظ الإنسان من الشيطان ومن كل شيء، عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة ؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته وخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  قال: دعني ، فإني محتاج ، وعلي عيال ، لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود، ثم تعود . فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي : {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: وما هي ؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم : أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قلت: لا ، قال : ذاك شيطان

*        *        *

((الله لا إله إلا هو))

 

-    كلمة ((الله)) علمٌ على واجد الوجود، وهو الإسم الذي اختاره الله تعالى لنفسه، وأعلمنا به، لأن الله تعالى له أسماء كثيرة، وقد كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يدعو الله تعالى ويقول "اللهم اني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" فعلمنا من هذا الدعاء أن الحق –سبحانه وتعالى- اختص بعض أوليائه بأسماء لا يعلمها أحد غيرهم، وعلمنا ايضاً أن هناك أسماء استأثر الله تعالى بعلمها، وهكذا لا تظن أن أسماء الله تعالى هي الأسماء التي نعرفها ولكنها الأسماء التي أذن لنا الله تعالى بأن نعلمها

-    واسم الله تعالى ((الله)) تحدى الله تعالى بها أن يُسَمَى بها سواه، يقول تعالى في سورة مريم الآية 65 ((رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا )) فالله تعالى يتحدى بهذه الآية الكريمة أن يتسمى أحد باسم الله تعالى، ولو كنا جميعاً مؤمنين لقلنا أن احترام هذا التحدى نابعاً من الإيمان، ولكن هناك كافرون بالله، وهناك ملاحدة لايؤمنون بوجود الله تعالى، ومع ذلك لم يجرؤ أحد أن يسمى نفسه أو يسمى ولده باسم الله، لم يجرؤ أحد أن يدخل في هذه التجربة، وهذا يدل على أن الكفر ليس وطيد في نفوسهم

-    يقول تعالى  ((الله لا إله إلا هو)) والمعنى: لا معبود بحقِ إلا الله، لأن بعض البشر في فترات الغفلة عبدوا غير الله، بعض البشر عبد أصناماً، والبعض عبد الكواكب، والبعض عبد النار، والبعض عبد البقر، بل بعض السفهاء عبدوا الشيطان، ولكنها كانت آلهة باطلة، وهذا هو معنى أنه: لا معبود بحق إلا الله0

-    وكلمة "لا أله إلا الله" قضية معها دليلها، لأن الله تعالى خلق الكون، ثم أرسل الينا  رسولاً فأخبرنا بذلك، أخبرنا أنه قد خلق هذا الكون، ولم يعترض أحد، يعني لم يأتِ إله آخر وقال: أنا الذي خلقت هذا الكون، وقد ضربنا لذلك مثالاَ، فقلنا هب أننا في اجتماع ووجدنا حافظة نقود، وقال أحدهم: هذه الحافظة ملك لي، فاذا لم يعترض أحد فهذه الحافظة لا شك ملك له، لذلك يقول تعالى ((قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا)) يعنى لو كانت هناك آلهة أخرى لذهبت الى الله تعالى وأنكرت ألوهيته، ولحدثت معركة بين الآلهة، ولكن ذلك لم يحدث، ولذلك فلا إله إلا الله قضية منهية

 

 

 

((الحى القيوم))

 

-         أول صفة يجب أن تكون لهذا الإله هو صفة ((الحي)) لأن أي صفة بعد ذلك لا تكون إلا بعد الحياة

-    والحق –سبحانه وتعالى- هو الحي الأعلي، لأن أحداً لم يعطه الحياة، بل حياته –سبحانه- ذاتية، حياة ليس لها مصدر آخر، مثل حياة البشر الموهوبة من الله تعالى0

-         والحق –سبحانه وتعالى- هو الحي الذي لا يموت، وحي لا تسلب منه الحياة، فهي حياة أزلية أبدية، ليس لها مبدأ، وليس لها نهاية،

-    ويوم القيامة تأتي الصيحة، فتخر الملائكة موتي على خدودهم، ويخر الآدميون موتى على خدودهم، وتخر الوحوش موتي على جنوبهم، وتخر الطيور موتي من السماء، وتموت الحيتان في البحار، وتموت الهوام في بطون الأرض، ولا يبقي من خلق الله –عز وجل إلا أربعة: جبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت، فيقول تعالى: من بقي يا ملك الموت، فيقول ملك الموت: بقي جبريل وميكائيل واسرافيل وعبدك ملك الموت، فيقول تعالى: اقبض روح اسرافيل يا ملك الموت، فيقبض ملك الموت روح اسرافيل، ثم يقول له: من بقي يا ملك الموت ؟ فيقول: فيقول بقي جبريل، وميكائل وعبدك ملك الموت، فيقول: اقبض روح ميكائل، فيقبض روحه، ثم يقول له: من بقي يا ملك الموت ؟ فيقول: بقي جبريل وعبدك ملك الموت، فيقول له: اقبض روح جبريل، فيقبض روح جبريل، ثم يقول له: من بقي يا ملك الموت، فيقول: بقي عبدك ملك الموت، فيقول له: كل نفس ذائقة الموت، فمت يا ملك الموت، يموت ملك الموت، ثم يقول تعالى: أين الملوك ؟ أين الجبابرة ؟ لمن الملك اليوم ؟ ثم يرد على نفسه: لله الواحد القهار، اذن فالله تعالى هو الحى الأعلي لأن أحداَ لم يعطه الحياة، بل حياته –سبحانه- ذاتية، وهو حي لا يموت، وحي لا تسلب منه الحياة

 

((القيوم))

 

-    القيوم هي صيغة مبالغة من "قائم" كما تقول: قائم على أمر بيته، وقائم على أمر المدرسة، قائم على أمر هذه الإدارة، ومعنى قائم يعني : متولي شئونها، أي متولي شئون هذا الكون، وقد قلنا قديماً أن معنى قوله تعالى في سورة النساء (الرجال قوامون على النساء) قوامون صيغة مبالغة من قائم، يعنى متولي شئون المرأة، ولذلك هذه الآية قمة التكريم للمرأة، إذن فمنى قيوم: أي قائم بشأن هذا الكون، ولذلك الرسول –صلى الله عليه وسلم- كان اذا حزبه أمر قال "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" لمذا يدعو الله تعالى بهذا الإسم بالتحديد، يعني أنا اسالك يا رب لأنك قيوم، لأنك متولى لشأني، ولأنني مسئول منك، ولذلك أدعوك

 

((لا تأخذه سنة ولا نوم))

 

-    ومن قيوميته تعالى أنه "لا تأخذه سنة ولا نوم" و "السنة" هي مقدمات النوم، أو هي النوم الخفيف، يقولك أنا غفلت شوية، مرحلة بين اليقظة والنوم، فالحق –سبحانه وتعالى- لا يتغلب عليه النوم الخفيف، وحتى لا تعتعقد أنه لا يتغلب عليه النوم الخفيف، ولكن يغلبه النوم العميق، قال لك بعد ذلك ((لاتأخذه سنة ولا نوم)) يعنى لا يغلبه لا النوم الخفيف ولا النوم العميق

-    ولذلك أذكر كان فضيلة الشيخ الشعراوى –رحمه الله- في خواطره حول هذه الآية الكريمة يقول: أتريد تطمينا من إله لمألوه، ومن خالق لمخلوق أكثر من أن يقول لك: نم أنت ملء جفونك لأن لك رب لا ينام، وأنت أثناء نومك لك أجهزة في جسدك تعمل، فأنت اذا نمت لا يتوقف قلبك عن العمل، ولا يتوقف نفسك، ولا تتوقف معدتك عن الهضم، كل شيء في جسدك يعمل، فمن يشرف على كل ذلك لو كان ربك ينام

-    ولذلك روى أن موسى –عليه السلام- سأله بنى اسرائيل: هل ينام ربك ؟ فقال لهم: اتقوا الله، فناداه الله تعالى وقال له: سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين واجعلهما في يد أحدهم، فلما وضعه في يد أحدهم جائه النوم فسقطت الزجاجتين وانكسرتا، فقال الله تعالى: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض كما سقطت هاتان الزجاجتان

 

((له ما في السموات وما في الأرض))

 

-         كل ما في السموات والأرض له تعالى، فالجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه

-    وملكية الله تعالى للسماوات والأرض ملكية مطلقة، إنما ملكيتك أنت لأي شيء ملكية ظاهرية، يعني أنت تبدو أنك تملك، ولكن في حقيقة الأمر أنت لا تملك أي شيء، أنت لا تملك المنزل التي تسكن فيه، ولا تملك قطعة الأرض الذي تحمل عقد ملكيتها وسجلته في الشهر العقاري، بل لا تملك جسدك، ولا تملك عينك، ولا لسانك، إنما كل ذلك عارية، عارية يعني أمر أعاره لك الله، كما تستعير أي شيء، وعندما تستعير أي شيء لابد أن تلتزم بشروط الذي أعارك هذا الشيء

 

((من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه))

 

-    يقول تعالى أن الشفاعة عندي ليست حقاً لأحد، ولكنها لمن أذنت له أن يشفع، وهب أن ملكاً من ملوك الدنيا، يمكن أن يدخل عليه أحد وزرائه أو خاصته، ويشفع عنده لأحد، ولكن الله تعالى، لا تكون الشفاعة عنده الا لمن أذن له أن يشفع عنده، وعندئذ يخضع للإذن ويشفع في حدوده، فالرسول –صلى الله عليه وسلم- يحد له الله تعالى حداً، والشهيد مثلاً يشفع لسبعين من أهل بيته، اذن فهناك من يأذن الله لهم باشفاعة

-    الحق –سبحانه وتعالى- استخدم اسلوب الإستفهام والإستنكار، وهذا يوحي بأن هذا الأمر لا يمكن أن يكون، وأنه مستنكر أن يكون، فكأنه يقول: من هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟!

 

((يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم))

 

-         ما بين اليدين، هو الذي أمامك<