Untitled Document

عدد المشاهدات : 15

قصة "شُعَيْبً" -عَلَيْهِ السَّلامُ- وقوم "مَدْيَنَ"

قصة "شُعَيْبً" -عَلَيْهِ السَّلامُ- وقوم "مَدْيَنَ"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

و"مَدْيَنَ" هي قبيلة أطلق عليها هذا الاسم نسبة الى جدهم "مَدْيَنَ" و"مَدْيَنَ" من ذرية إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلامُ-، وقيل إنه تزوج أحد بنات لوط -عَلَيْهِ السَّلامُ- ومن ذريتهما جاءت هذه القبيلة الكبيرة، والتي بلغ عددهم نحو خمسة وعشرين ألف.
وسكن أهل "مَدْيَنَ" في المنطقة التي تسمي "معان" الآن في جنوب الأردن.

وهذه المنطقة في طريق التجارة بين الشام والحجاز لذلك كانت أسواق "مَدْيَنَ" مزدهرة، وعمل كثير منهم في التجارة، فعاش أهل "مَدْيَنَ" حياة رغدة، ولكنهم تركوا عبادة الله وحده، وارتكبوا الكثير من المفاسد، فكانوا أهل نصب وغش وتحايل وسرقة، وكانوا يغشون في الميزان، وكانوا يقطعون الطريق على القوافل، وكانوا يفرضون على القوافل التي تمر عليهم أن يدفعوا اليهم أمولًا حتي يسمحوا لهم بالمرور 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وأرسل الله تعالى الى "مَدْيَنَ" رسوله "شُعَيْب" و"شُعَيْب" من أنبياء العرب، وأنبياء العرب أربعة فقط وهم: هود وصالح وشعيب ونبينا محمد ﷺ
وقد بعث "شُعَيْب" -عَلَيْهِ السَّلامُ-  بعد "لوط" -عَلَيْهِ السَّلامُ- وقبل يوسف -عَلَيْهِ السَّلامُ-  ولذلك فان قصة "مَدْيَنَ" قريبة من قصة قوم لوط سواء في الزمان أو المكان.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وقيل أن "شُعَيْب" -عَلَيْهِ السَّلامُ- كان ضعيف البنية، وقيل أنه كان ضعيف البصر، وقيل أنه كان أعمي، ولكن تميز "شُعَيْب" -عَلَيْهِ السَّلامُ- بأنه كان شديد الفصاحة، قوي الحجة، وقال عنه الرسول أنه خطيب الأنبياء.
وقد ذكر القرآن العظيم أن "شُعَيْب" -عَلَيْهِ السَّلامُ- أرسل الى اهل
"مَدْيَنَ" وذكر في مواضع أخري أنه أرسل الى "أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ" والْأَيْكَةِ نوع من الشجر الكبير الملتف، وقد أطلق القرآن على "أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ" هذا الاسم لأنهم كانوا يعبدون شجرة من هذا الشجر.
قال بعض العلماء أن "مَدْيَنَ" هم "أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ" وقال البعض الآخر أن "مَدْيَنَ" قبيلة و"أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ" قبيلة أخري

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى في لسان "شعيب" في سورة الأعراف (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) 
يعنى جاءكم الله بمعجزة واضحة تدل على صدق نبوتي، وان كان القرآن الكريم لم يذكر ما هي معجزة "شُعَيْب" -عَلَيْهِ السَّلامُ-
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وأمرهم "شعيب" أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وأمرهم أن يتوقفوا عن الغش في الميزان، وعن ظلم الناس حقوقهم، وأمرهم بأن يكفوا عن قطع الطريق على القوافل 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
واستمرت دعوة "شعيب" سنوات طويلة، ولم يؤمن مع "شعيب" الا عدد قليل جدًا من الضعفاء.
وعندما أصر قوم "شعيب" على الكفر، واشتد إيذاء الكفار للمؤمنين، دعا "شعيب" على قومه، وقال (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) 
يعنى رَبَّنَا اقضى واحكم بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالعدل وَأَنْتَ خَيْرُ من يحكم ويقضى.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
عاقب الله تعالى قوم شعيب بثلاثة أنواع من العذاب لشدة كفرهم وفسادهم:
قال تعالى في سورة الأعراف
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)
قال المفسرون أن الرَّجْفَةُ هي الزلزلة الشديدة.
وقال تعالى في سورة هود
(وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) أي جاءتهم من السماء صيحة عظيمة هائلة، وهي صيحة جبريل -عليه السلام-.
ويقول تعالى في سورة الشعراء
(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) فقيل أن أهل "مدين" أصابهم حر شديد وأسكن الله الهواء لمدة سبعة أيام، حتى بلغ منهم الجهد، ثم أرسل الله في اليوم السابع سحابة عظيمة فاستبشر أهل "مدين" وتجمعوا تحتها يستظلون بها، ورجاء أن تمطر عليهم، فاذا بالسحابة تمطر عليهم لهبًا ونارًا فهلكوا جميعًا
وأطلق الله على هذا اليوم (عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) اشارة الى هذه الغيمة، التى استظلوا تحتها، والتي جاءهم منها العذاب. 
يقول تعالى
(فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) يعني فَأَصْبَحُوا جثثًا هامدة لا تتحرك.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم يقول تعالى عن شعيب -عليه السلام- (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)


❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

بقي أن نقول ان المتدبر لقصة "شعيب" في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى عبر عن هلاك أهل "مَدْيَنَ" مرة بالصيحة ومرة بالرجفة، وهذه من الاشارة العلمية في القرآن العظيم 
لأن العلماء انتهوا الآن الى أن الصوت عبارة عن اهتزازات تنتقل في الهواء على شكل موجات صوتية، فاذا زاد الصوت عن حد معين فان هذه الاهتزازات تؤدي اهتزاز الأعضاء الداخلية لجسم الانسان، واذا زاد الصوت أكثر ووصل الى حد معين، فانه يدمر أجهزة جسم الانسان.
ولذلك عبر القرآن العظيم في دقة بالغة عن هلاك عن هلاك "مَدْيَنَ" مرة بالصيحة ومرة بالرجفة، يعنى جاءتهم صيحة هائلة، رجفت منها أجسامهم، وأدت الى تدمير أجهزة أجسامهم وهلاكهم. 
ولم يكن أحد يتخيل وقت نزول القرآن أن الصوت له قوة تدميرية، وأنه يمكن أن يدمر شعب بأكمله. 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
أخيرًا يعتقد البعض أن موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- عندما فر من مصر وجاء الى "مَدْيَنَ" ووَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ، ووَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ، ثم تزوج أحدي هاتين الفتاتين، أن هذه الفتاة التى تزوجها هي ابنة نبي الله شعيب، وهذا غير صحيح، لأن الفترة بين "شعيب" وبين "موسي" حوالى ألف سنة.
ولكن الحقيقة -على ما يبدو- أن الله تعالى بعد أن أهلك أهل "مَدْيَنَ" وكانت –كما ذكرنا- في جنوب الأردن، خرج "شعيب" والذين آمنوا معه واتجهوا الى الجنوب قليلًا، واستقروا في مكان في شمال غرب الجزيرة العربية، وأطلق على قريتهم الجديدة اسم "مَدْيَنَ" أيضًا لأن هذا هو اسم القبيلة، وهذه هي القرية التى لا تزال آثارها موجودة الى الآن، في محافظة تبوك بشمال غرب المملكة السعودية ويطلق عليها "مدائن شعيب" 
وعندما جاء موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- الى هذه القرية هربًا من فرعون، بعد ألف سنة، من وفاة "شعيب" كان أهل المدينة لا يزال بعضهم على التوحيد، أو على دين "شعيب" -عَلَيْهِ السَّلامُ- وتزوج موسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- من ابنة رجل صالح، على دين "شعيب" ثم أقام في "مَدْيَنَ" –كما ذكر القرآن- ثماني أو عشر سنوات.
وهناك في مدائن شعيب الأثرية والموجودة الآن في المملكة السعودية، بئر يطلق عليه بئر موسي، لأنه يعتقد أنه البئر الذي استسقي فيه موسي لابنتي الرجل الشيخ الكبير الذي تزوج موسي من أحدهما.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇