Untitled Document

عدد المشاهدات : 75

الحلقة (429) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (1) و (2) من سورة "الأَعْرَاف" ((الۤمۤصۤ (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ...

الحلقة (429)
تفسير وتدبر الآيتين (1) و (2) من سورة "الأَعْرَاف" (صفحة 151)

        

(الۤمۤصۤ (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
        

(الۤمۤصۤ) تحدثنا عن الحروف المقطعة في حلقة خاصة في أوائل سورة البقرة.  
وهناك قول مشهور في تفسير الحروف المقطعة، بأن الله تعالى ذكرها في بداية بعض السور على سبيل التحدي للعرب بالقرآن الكريم، لتنبيه المشركين الى أن القرآن العظيم مؤلف من حروف مثل الحروف التي تنطقون بها، ومع ذلك تعجزون عن الاتيان بمثل هذا القرآن، أو بسورة واحدة من مثله.

        

وقد ضُرِبَ لذلك مثل: إذا أردت أن تختبر جماعة من النساجين في إجادة النسج، فأعطيت أحدهم خيوط صوف، والثاني خيوط حرير، والثالث قطن، والرابع كتان، وأنتج كل واحد منهم قطعة قماش، فإنك لن تستطيع أن تحكم على دقة نسج كل منهم، لأن المادة الخام مختلفة 
فاذا أردت أن تحكم على مهارة كل واحد فعليك أن توحد المادة الخام، فتعطي لهم جميعًا خيوط حرير أو قطن أو كنان أو صوف.
وذلك بدأ الله تعالى بعض سوره بهذه الحروف المقطعة، كأن الله تعالى يقول للعرب أن المادة الخام التي يتكون منها القرآن هي الحروف العربية، والمادة الخام التي يتكون منها كلامكم هي أيضًا الحروف العربية، ومع ذلك تعجزون أن تأتوا بمثل هذا القرآن، وأنتم أهل اللغة والفصاحة والبلاغة والبيان، ولو أن القرآن جاء بغير حروف العرب، لقالوا: لو كانت عندنا هذه الحروف وهذه الكلمات؛ لأتينا بأحسن منها.

        

ولذلك تأتي الآية التي بعد الحروف المقطعة غالبًا تشير الى القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في سورة البقرة (الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) 
أو كما في هذه السورة (الۤمۤصۤ* كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ)
في سورة لقمان (الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)
في سورة السجدة (ألم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
في سورة يونس (ألر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)
سورة هود (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير)


        

أما أفضل ما قيل في الحروف المقطعة أنها مما استأثر الله بعلمه، وأنه تعالى أعلم بمراده منها، وقد ورد ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلى، وغيرهم يقول ابن عباس: "عجزت العلماء عن إدراكها" وروي عن الشعبي أنه قال: "سر الله فلا تطلبوه".
حتى أن بعض السلف جمع الحروف المقطعة، في جملة (نص حكيم قاطع له سر)

        

ما معنى قول السلف أن هذه الحروف المقطعة هي مما استأثر الله بعلمه، أو الله أعلم بمراده بها ؟
القرآن العظيم به أحكام وشرائع، وهذه الأحكام والشرائع تتفق مع فطرة الانسان، ولذلك يكون من السهل قبول هذه الأحكام والشرائع، مثل تحرم القتل وتحريم الزنا وتحريم السرقة وغير ذلك.
وهناك أحكام وشرائع لم يكن من السهل قبولها وقت نزول القرآن، مثل تحريم شرب الخمر، ولم يكن أحد مدركًا للحكمة من تحريم شرب الخمر وقت نزول القرآن، ثم علم الناس بعد مئات السنين أن الخمر له أضرار صحية ونفسية كثيرة.
وحرم الله أكل لحم الخنزير، ولم يكن الناس يعلمون أضرار أكل لحم الخنزير في ذلك الوقت
وحرم الله الربا، ثم قال علماء الاقتصاد بعد مئات السنين أن الربا هو المسئول عن التضخم والغلاء في العالم، وأنه يجعل الفقير يزداد فقرًا والغنى يزداد غنى.
ولا زالت هناك أحكام في القرآن العظيم الى الآن يرفضها البعض، فالبعض يرفض أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ويقول أن الذكر يأخذ مثل الأنثى، ويرفض أن يرث الأخ من أخيه في حالة اذا لم يترك ابنًا ذكر، ويرفض أن تأخذ الزوجة الربع أو الثمن، ويقول يجب أن نكون مثل الغرب وتأخذ الزوجة النصف 
والله تعالى يريد لنا نأخذ أحكام القرآن العظيم كما هي دون أن نعمل فيها عقولنا، يعنى أن نلتزم بها سواء فهمنا الحكمة منها او لم نفهم، وهذه هي معنى العبودية لله تعالى.
فلو كان عندك ابنين، واحد يطيعك بمجرد أن تأمره بأي أمر، والآخر إذا أمرته بأي أمر يقول لك أقنعني به أولًا فاذا اقتنع ووجد فيه مصلحته فعله، وإذا لم يقتنع لم يفعله، فأنت تقول أن الابن الأول طائع لك والثاني غير طائع لك.
فلو لم تنفذ أمر الله تعالى، حتى تقتنع بفائدة هذا الأمر، فهذا يعنى أنك لا تفعله طاعة لله تعالى، وانما تفعله لمصلحة نفسك.
فاذا امتنع شخص عن لحم الخنزير لأنه علم أضرار أكل لحم الخنزير، فهو لا يفعل ذلك طاعة لله، وانما يفعله لمصلحة نفسه.
والله تعالى لا يريد هذا، بل يريد تعالى أن تأتمر بأوامره لأنه تعالى أمرك بها، وأن تنتهي عن نواهيه لأنه تعالى نهاك عنها 

        

ونعود مرة أخري الى الحروف المقطعة، فالله تعالى يريدك أن تقرأها وأن تتعبد الله تعالى بقراءتها، وأن تعظمها، وأن تعلم أنك اذا قرأت (ألم) فان لك بكل حرف عشر حسنات، دون أن تعلم لها معنى، ليكون هذا هو منهجك وأنت تستقبل كل آيات القرآن العظيم وأوامره ونواهيه.
فحين تقرأ أن الزوجة لها الثمن مما ترك الزوج ان لم يكن له ولد، تقول سمعًا وطاعة، ألتزم بهذا الأمر، حتى لو لم أفهم الحكمة منه، وحتى ولو لم يقبله عقلي، كما قرأت (ألم) و(حم) وغيرها من الحروف المقطعة، وتعبدت الله تعالى بقراءتها دون أن أفهم لها معنى.
وهذا هو معنى قول السلف –رضى الله عنهم- أنها مما استأثر الله بعلمه، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها الى الله تعالى 


        

(المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
كما قلنا بعد الحروف المقطعة يأتي غالبًا ذكر القرآن الكريم، على سبيل التحدي للعرب يعنى هذا القرآن العظيم مؤلف من حروف مثل الحروف التى تتكلمون بها، ومع ذلك تعجزون أن تأتون بمثل هذا القرآن، فهذا دليل على أن هذا القرآن العظيم هو كلام الله تعالى، وأن محمدًا ﷺ لم يأت به من عند نفسه. 
وروي عن ابن عباس أنه قال (المص) يعنى: أنا الله أعلم وأفصل. 

        

(كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ)
(كِتَابٌ)
مرفوعة لأن التقدير: هذا كِتَابٌ أنزل اليك.
وكلمة "كِتَاب" تدل على أن ما فيه كلام مهم وذو قيمة ولذلك استحق أن يكتب، لأن الانسان لا يكتب اللغو، وانما يكتب المهم فقط. 

        

(فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) الحَرَجٌ هو شدة الضيق، وأصلها "الحرجة" وهي الشجرة التي ملتف حولها أشجار كثيرة بحيث لا يستطيع أحد أن يصل اليها من شدة الضيق.
ومنه قول الله تعالى (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)

        

فالمعنى لا يكن في صدرك ضيق من ابلاغ القرآن.
لأن كما ذكرنا في الحلقة السابقة أن سورة الأعراف نزلت في السنة الثالثة من الدعوة، وهو الوقت الذي أُمِر فيه الرسول ﷺ بالجهر بالدعوة، وقبل ذلك الوقت كان الرسول ﷺ يلتقي مع المسلمين سرًا في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ولم يكن عدد المسلمين يتجاوزون الأربعين، وكان الرسول ﷺ يتلوا عليهم القرآن، وهم يستقبلون القرآن بشوق ومحبة.

        

ثم أُمِّرَ الرسول ﷺ بالجهر بالدعوة، يعنى أن يبلغ القرآن ويقرأه على المشركين، والرسول ﷺ يعلم أنهم سيستقبلون القرآن بالسخرية، ويتهمونه بأنه شعر، وسحر وكهانة، وأنه ﷺ جاء بهذا القرآن من عند نفسه، وأنها أساطير الأولين تُمْلَى عليه بكرة وأصيلًا، وإذا قرأ يشوشون عليه (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) وربما يقرأ القرآن ويأتي رجل مثل "عقبة بن أبي معيط" ويلقي على رأسه سلا الجزور، يعنى أمعاء جمل ذبح. 
        

ورد في الصحيح أن الرسول ﷺ قال "إنَّ ربِّي قالَ لي أن قُم في قريشٍ فأنذِرْهُم فقلت أي ربِّ إذًا يثَلَغوا رأسِي - أي يشدَخوا - فقالَ إنِّي مبتليكَ ومبتلٍ بِكَ.
فبعد أن كان الرسول ﷺ يقرأ القرآن في دار الأرقم على: أبي بكر وعثمان وعلى وزيد بن حارثة وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وبلال، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح.
أصبح مطلوبًا منه أن يقرأ القرآن على أبو جهل، وابو لهب، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف.
فكان طبيعيًا أن يشعر الرسول ﷺ بالضيق من ابلاغ القرآن لهؤلاء، كما جاء في قول الله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ)

        

كما لو طُلبَ منك أن تقرأ القرآن على مجموعة طيبة في المسجد، فسترحب بذلك، ثم طلب منك ان تخرج من المسجد، وتذهب لتقرأ القرآن على مجموعة في ملهي ليلي، فلابد أنك ستشعر بالضيق من ذلك.
انظر كيف أن مهمة الرسول ﷺ صعبة، لأن الله تعالى ينهاه حتى على ان يشعر بالضيق، في موقف أي انسان لابد أن يشعر بالضيق منه 
فقال تعالى (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ) هذا القرآن العظيم كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ يا محمد من الله تعالى 
(فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ)
فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضيق من تلاوته وابلاغه 
(لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ)
يعنى هذا القرآن العظيم نزل لأمرين:
(لِتُنذِرَ بِهِ) يعنى تنذر به المشركين 
(وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ) يعنى وتذكرة ومواعظ لِلْمُؤْمِنِينَ.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇