Untitled Document

عدد المشاهدات : 92

الحلقة (420) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم تدبر الآية (145) من سورة "الأَنْعَام" (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا...

الحلقة (420)
تدبر الآية (145) من سورة "الأَنْعَام" (ص 146)

        

(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) 
        

ما زالت الآيات تخاطب المشركين الذين حرموا ما رزقهم الله، فيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله من عند أنفسهم: لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ من الله -سبحانه وتعالى- سواء من القرآن أو من السنة مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ، يعنى آكل يأكله إِلَّا هذه الأربعة فقط، وهي:
أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ

        

(أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) الْمَيْتَةُ هُي كُلُّ مَا فَارَقَ الْحَيَاةُ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ.
والتَذْكِيَة هي ما نطلق عليه "الذبح على الطريق الاسلامية" والتَذْكِيَة تكون بقطع أربعة أشياء: القصبة الهوائية والمريء والوجدين The Jagular vein وهما شريانان على جانبي العنق وهما اللذان يغذيان المخ بالدم.
فكل حيوان لم يمت عن طريق التذكية الشرعية فهو: "مَيْتَةُ" ويحرم أكله.
وقد ذكر تحريم الميتة في هذه الآية مجملًا، ثم جاء التفصيل في سورة المائدة فذكر تعالى في سورة المائدة خمسة أنواع من أنواع الميتة، فقال تعالى (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) إِلَّا مَا أدركت تذكيته قبل أن يفارق الحياة.
وهذا التفصيل الذي جاء في سورة المائدة لأن العرب لم تكن تعتبر هؤلاء ميتة، وكانوا يعتبرون الميتة فقط هو الذي يموت لمرض أو يموت لأجله، فكان يجب أن تذكر هذه الأنواع في سورة المائدة بالتفصيل بعد أن ذكرت في هذه الآية مجملة لإثبات أنها تدخل في الميتة.

        

والمحرم هو اكل لحم الميتة، ولكن يمكن الانتفاع بجلدها، وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس "أن شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة - تعني الشاة - قال: فلولا أخذتم مسكها -يعنى جلدها- قالت: يا رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقرأ النبي ﷺ (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) ثم قال الرسول ﷺ "وإنكم لا تطعمونه وإنما تدبغونه حتى تنتفعوا به" يقول ابن عباس فسلختها ثم دبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها.
        

لماذا حرم الله تعالى أي حيوان يموت بغير الذكاة الشرعية ؟
السبب أن هذه الدواب إذا ماتت بغير التذكية فان دمها يظل محبوسًا في جسدها، وهذا الدم يكون مملوء بالسموم والجراثيم.
لأن الدم وظيفته في الجسم أنه ينقل المواد الغذائية من الأمعاء الرفيعة، الى سائر أنحاء الجسم، وينقل الأكسجين من الرئتين الى سائر أنحاء الجسم، وهذه مواد نافعة ينقلها الدم عن طريق الشرايين، وفي نفس الوقت فان الدم ينقل نفايات الجسم، فهو ينقل الأحماض السامة، مثل حمض البول ثم يمر على الكليتين فيطرح فيها هذه المواد السامة، كما ينقل ثاني أكسيد الكربون من جميع أنحاء الجسم، الى الرئتين، حيث يتخلص منها الجسم عن طريق عملية الزفير.
فهذا الدم طالما انه في الجسم فانه لا يؤذيه لأنه يصفي باستمرار، أما إذا مات الانسان فان هذا الدم يكون محملًا بالجراثيم والسموم، ولذلك فيجب أن يصاحب موت الدابة التخلص من الدم وهذا يكون عن طريق التذكية الشرعية.

        

وقد أثبت أحد الأبحاث العلمية أن عدد البكتيريا في اللحم الذي ذُبحت على الطريقة الإسلامية يصل في الجرام الواحد منه إلى سبعة آلاف، بينما عدد البكتيريا في اللحم الغير مذبوح على الطريقة الاسلامية يصل في الجرام الواحد إلى عشرين مليونًا.
ولذلك فالمعنى اللغوي للتذكية هو التطييب، كما نقول "رائحة ذكية" يعنى رائحة طيبة، فعندما نقوم بتذكية الذبيحة فنحن نطيب اللحم، ولذلك فاللحم الذي ذبح على الطريقة الاسلامية يكون لونه وردي، أما الذي لم يذبح على الطريقة الاسلامية فانه يكون داكن ويميل الى اللون الأزرق.
أرادت شركة استيراد لحوم من دولة في جنوب شرق آسيا، فقالوا إذا كانت مذبوحة على الشريعة الاسلامية فإنها تكون أغلى من الغير مذبوحة على الشريعة الاسلامية، لأن الغير مذبوحة على الشريعة الاسلامية تكون دمها فيها، وهذا الدم يزن حوالى 5 كيلوجرام.


        

(أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)  
الدَّمُ الْمَسْفُوحُ، يعنى الدم السائل، يقول أمرؤ القيس (وَإِنَّ شِفَائِيْ عَبْرَةٌ إِنْ سَفَحْتُهَا) إِنْ صببتها (قصيدة: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ)
هل كانت العرب تشر ب الدم ؟ كانت العرب يأخذون هذا الدم ويملؤون به أمعاء الذبائح ويقومون بشويه وأكله، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا الدابة أخذوا الدم فأكلوه. 
ولا زال الى الآن بعض المجموعات في كينيا وتنزانيا في افريقيا، يطلق عليهم شعب الماساي، من عادتهم أنهم يشربون دم البقر بعد مزجه باللبن، ويعتقدون أنه يعمل على تقوية جهاز المناعة


        

قوله تعالى (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) يعنى "مصبوبًا" تفيد أنه يعفي عن الدم الذي يكون يبقي في العروق والذي يكون مختلطًا باللحم، وأيضًا يعفي عن الدم الذي صَارَ فِي مَعْنَى اللَّحْمِ وهو الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ
يقول الرسول –صلى الله عليه وسلم- "أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال"

        

يقول تعالى (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) وأجمع العلماء أن المحرم جميع الْخِنْزِيرِ وليس لحمه فقط، فيحرم لحمه وشحمه وأمعائه.
وقد أثبت العلم أن الخنزير ينقل 57 مرضًا وبائيًا للإنسان.
الى جانب ذلك فان هذه عدة بحوث عن انتقال طباع الحيوان إلى آكليه، والخنزير من أهم صفاته انعدام الغيرة على انثاه، يقول ابن خلدون المتوفى سنة 808 "وأكل الافرنج لحم الخنزير فاكتسبوا الدياثة"

        

(فَإِنَّهُ رِجْسٌ) يعنى نتن وقذر وحرام، وقوله تعالى (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) تعود اما الى لَحْمُ الْخِنْزِيرِ، أو أنها تعود الى هذه المحرمات الثلاثة، وهي الميتة والدم ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ.


        

(أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)
يعني ذُكِرَ عند ذبحه اسم غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ تعالى. 
وكلمة (أُهِلَّ) أصلها "الاهلال" هو رفع الصوت عند رؤية الهلال، وكانت العرب إذا ظهر الهلال، يرفعون صوتهم بهذا، ومنه "‏اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ‏" وَذَلِكَ إِذَا صَاحَ حِينَ ينزل مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، ومنه الإهلال بالحج، يعنى رفع الصوت بالتلبية في الحج.
فقلوه تعالى (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) هو ما كانت العرب تقوله عند الذبح، فتقول –مثلًا- باسم اللات أو باسم العزي، أو غير ذلك من أسماء آلهتهم.
ومن صور ذلك الآن الذبح للجن، كما يطلب السحرة والمشعوذون ذلك، عندما يطلبون ذبح ديك او غراب، أو الذبح خوفًا من الجن، بعض الناس اذا اشتري بيتًا او محلًا فانه يذبح خوفًا من الجن ويعتقد أنه اذا لم يفعل سينغصون عليه حياته في هذا المكان.
فقوله تعالى (أَوْ فِسْقًا) يعنى الأكل من لحم الحيوان الذي ذكر عند ذبحه اسم غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ‏ تعالى (فسق) يعنى خروج عن طاعة الله عز وجل.‏

        

(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
(فَمَنِ اضْطُرَّ) يعنى فَمَنِ كان مضطرًا، واصلها من أصيب بالضرر، وليس معنى الاضطرار هو الجوع الشديد، ولكن الاضطرار يعنى أنه مشرف على الهلاك. 
ثم وضع شرطين عند الأكل من هذه المحرمات وهو
(غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ)  
(غَيْرَ بَاغٍ) يبغي الشيء يعنى يريده، فقوله تعالى (غَيْرَ بَاغٍ) يعن غير مريد وغير طالب لهذا المحرم، يعنى لا يأكله تلذذًا، وانما يأكله وهو كاره له.
(وَلَا عَادٍ) يعنى غير متعدي في أكله قدر الضرورة، يعنى لا يأكل حتى يشبع، وانما يأكل ما يبقيه على قيد الحياة.

        

وقيل إن قوله (غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) يعنى غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ على مضطر لأكل هذه المحرمات مثله، يعنى لا يعتدي على مضطر مثله، لأن الاضطرار لكل هذه المحرمات اما ان يكون شخص تائه في الصحراء -مثلًا- أو في بلد فيها مجاعة، فينبه تعالى الى أنه في ظروف المجاعات لا تبغي أو تعتدي على غيرك حتى تستولى على ما في يده من طعام.
        

يقول تعالى (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
تذييل الآية يلفت النظر، لأن دائمًا تذييل الآية مرتبط بصدر الآية، هناك يذيل الله تعالى الآية بقوله (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
فاذا كان الله تعالى قد رخص لنا في أكل هذه المحرمات، فما الداعي أن يذيل الله الآية بالمغفرة والرحمة ؟ 
نقول أن "غفر" تأتى بمعنى الستر، فمعنى مغفرة الله هو أن يستر الله العقاب عن العبد، وهناك معنى آخر للمغفرة وهو ستر الذنب عن العبد، فلا يقع العبد في الذنب أصلًا، وهذا هو ما تفضل الله تعالى به علينا في هذه الآية الكريمة، حين اباح لنا هذه المحرمات عند الضرورة، ولذلك ناسب الآية أن تذيل بقوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

        

هناك سؤال: هذه الآية الكريمة ذكرت أربع محرمات فقط وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.
 مع أن هناك محرمات أخري، نقول ان سورة "الأنعام" سورة "مكية" يعنى نزلت قبل الهجرة، ثم جاءت محرمات اخري بعد ذلك في المدينة، فنزلت محرمات في سورة المائدة، ونزل تحريم شرب الخمر في سورة البقرة، وحرم الرسول في السنة السابعة من الهجرة أكل لحوم الحمر الأهلية، وحرم الرسول أكل كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ.
اذن قوله تعالى (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) يعنى لم يحرم من المطعومات حتى الآن الا هذه الأربعة فقط.
قيل ايضًا أن هذه المحرمات الأربعة أصل من أصول شرائع جميع رسل الله تعالى، فيكون المعنى: قل لا أجد فيما أوحي إلى من أخبار الأنبياء وشرائعهم 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇