Untitled Document

عدد المشاهدات : 107

الحلقة (419) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم تدبر الآيات (142) و(143) و(144) من سورة "الأَنْعَام" (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا...

الحلقة (419)
تدبر الآيات (142) و(143) و(144) من سورة "الأَنْعَام" (ص 146)
        

(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) 
        

قلنا من قبل أن سورة الأَنْعَام تناقش وتجادل وتحاور المشركين، ولذلك من محاور سورة الأنعام: اقامة الدلائل والبراهين على قدرة الله -سبحانه وتعالى- وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى بعض دلائل قدرته فيقول تعالى:
(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)

        

(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا)
يعنى (وخلق لكم مِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) 
(حَمُولَةً) يعنى أنعام تحملون عليها اثقالكم، وتُحْمَلون أنتم عليها، مثل الإبل والبقر والأحصنة والبغال والحمير وغيرها 
(وَفَرْشًا) يعنى تُفْرَش على الأرض للذبح وهي البقر والضأن والماعز. أو ما يفترش من صوفها ووبرها وشعرها على الأرض

        

(كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) 
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الثمار والزروع والأنعام.
واشارة الى أن تتذكر عندما تأكل ان هذا رزق الله تعالى، فنحن لا نأكل كالبهيمة، ولكن نأكل ونتذكر أن هذا رزق الله تعالى، ونحمد الله تعالى على هذا الرزق.
روي مسلم أن الرسول ﷺ قال "إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا"
يقول شراح الحديث أن هَذا دَليلٌ على أنَّ رِضا اللهِ عزَّ وجلَّ قد يُنالُ بأَدْنى سَببٍ 
وقوله ﷺ "يَأكُلَ الأَكْلَةَ" يعنى المرَّةُ الواحدَةُ مِنَ الأَكْلِ، كما نقول نحن "وجبة" يعنى وجبة الإفطار أو الغداء أو العشاء، أكلت ساندويتش أو قطعة كيك، أو شربت كوب من المياه، أو كوب شاي أو كوب عصير، تحمد الله بعد كل وجبة أو شربة، تقول "الحمد لله"  

روي أبو داود في صحيحه أن الرسول ﷺ قال "من أكل طعامًا ثم قال : الحمدُ للهِ الذي أطعمَني هذا الطعامَ ورزقنِيهِ من غيرِ حولٍ مني ولا قوةٍ غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّرَ ومن لبِس ثوبًا فقال : "الحمدُ للهِ الذي كساني هذا الثوبَ ورزقنِيهِ من غيرِ حولٍ مني ولا قوةٍ غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّرَ"

        

يقول تعالى (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) ولا تسيروا وراء الشيطان في تحريم بعض أنواع الزروع والثمار والأنعام.
لأن -كما قلنا- كانوا يجعلون جزءًا من الزروع والثمار والأنعام لأصنامهم، وهناك انعام يسيبونها لأصنامهم فلا تذبح ولا ينتفع بها، فلا يأخذون من البانها أو أصوافها أو أشعارها او يركبون عليها، وهي: البَحِيرَةٍ وَالسَائِبَةٍ وَالوَصِيلَةٍ وَالحَامٍ.

        

(إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
تعليل للنهي عن اتباع خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يعنى عدو واضح عداوته
قال تعالى في سورة ص (فَبِعِزَّتِك لَأُغْوِيَنهمْ أَجْمَعِينَ) 

        

(ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)
        

قال تعالى في الآية السابقة (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) ثم يفصل تعالى هذه الأنعام، فيقول إنها (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) وكلمة الزوج تطلق في اللغة على كل واحد معه غيره من جنسه، فيطلق على كل واحد منهما "زوج" والاثنين "زوجين" كما قال تعالى في سورة النجم (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى)
والخطأ الذي في اللغة الدراجة أننا نطلق كلمة الزوج ويراد بها الاثنين، فنقول "زوج حمام" أو "جوز حمام" ونقصد بها حمامتين، مع أن المفروض أن "زوج حمام" يعنى حمامة واحدة.
اذن قوله تعالى (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) تعنى ثَمَانِيَةَ وليس ستة عشر، أو تعنى أربعة أصناف وكل صنف معه واحد غيره من جنسه.

        

ثم يبين تعالى هذه الأزواج الثمانية فيقول تعالى (مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ) يعنى خلق لكم مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، يعنى ذكر وأنثى، وهما الكبش والنعجة (وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) ذكر وأنثي، وهما التيس والعنزة أو السخلة ثم قال تعالى (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ) وهما الجمل والناقة (وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) وهما الثور والثورة.
لأن كلمة "بقرة" تعنى الذكر والأنثى، ولذلك في سورة البقرة (إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) أي بقرة سواء ذكر أو أنثي.

        

يقول تعالى (قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ)
يعنى قل لهم يا محمد أنتم حرمتم على أنفسكم بعض الأنعام، فجعلتم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
أنتم جعلتم الناقة إذا ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر، أسميتموها "بحيرة" لا تنحر ولا تركب، وإذا ولدت الناقة عشرة أبطن إناث، ليس بينها ذكر، سيبتوها للآلهة لا تنحر ولا تركب، وأطلقتم عليها "سائبة" ثم الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، اذا جابت في البطن السابعة ذكر وأنثى، لا يذبحا وتسموا الأنثى وصيلة، والجمل اذا ولد من ظهره عشرة ابطن، أطلقتم عليه أسم "حام" يعنى حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه.
وإذا ذبحتم البهيمة الحامل، إذا نزل الجنين حيًا فيكون للذكور فقط، وإذا نزل ميتًا فيكون للذكور والاناث.
وهناك اختراعات أخري، فهذا ما ذكره القرآن العظيم، فمن أين جئتم بهذا التحريم؟ 

        

(قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) 
قل لهم يا محمد هل حَرم الله -تعالى- ذكور هذه الأنعام ؟ أم حرم اناثها ؟ 
(أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ)
أم حرم ما اشْتَمَلَتْ عليه الأرحام من الذكور والاناث ؟ 
فاذا كنتم لا تدعون هذا، لأنكم تأكلون هذه الأنعام، فمن أين جئتم بتحريم بعض الذكور وبعض الاناث وبعض الأجنة ؟ 
من أين جئتم بهذا التحريم؟


        

(نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
جبولى العلم اللى عندكم المنقول عن أحد رسل الله لو كُنْتُمْ صَادِقِينَ في دعواكم 
لأن التحريم لابد ان يكون بوحي من الله تعالى.

        

ثم يقول تعالى 
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا)
أم ان الله تعالى قد حرم عليكم هذه الأنعام مباشرة بدون وساطة أحد من رسله.
وكل هذه أسئلة للإنكار، والتوبيخ والتقريع.

        

في تفسير "معالم التنزيل" للبغوي في تفسير قوله تعالى (قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ): لما جادل الكفار النبي ﷺ وكان محدثهم "مالك بن عوف أبو الأحوص الجشمي" فقال: يا محمد بلغنا أنك تحرم أشياء ممّا كان آباؤنا يفعلونه، فقال له الرسول الله ﷺ: إنكم قد حرّمتم أصنافاً من الغنم على غير أصل، إنّما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم؟ من قِبَل الذكر أم من قبل الأنثى؟ فسكت مالك بن عوف وتحيَّر فلم يتكلم". فلو قال جاء هذا التحريم بسبب الذكور وجب أن يحرّم جميع الذكور، وإن قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرّم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يحرم الكل، لأنّ الرحم لا يشتمل إلا على ذكر وأنثى، فأما تخصيص التحريم بالولد الخامس والسابع أو بالبعض دون البعض فمن أين؟
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) يعنى لا أحد أظلم ممن كذب على الله تعالى، فادعي ان الله تعالى امر بكذا ونهي عن كذا وهو تعالى لم يأمر ولم ينهي.
(لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) وهو يتعمد ان يضل الناس 
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعنى إِنَّ اللَّهَ تعالى لَا يوفق للهداية الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، اذن الظلم كان منهم اولًا ثم كان عدم التوفيق من الله بعد ذلك بسبب ظلمهم.


        

وقيل أنها نزلت "عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ" وهو المعروف بـ "عمرو بن لحي" وكان سيد مكة ومن سادات العرب، وكانت الجزيرة العربية على دين إبراهيم -عليه السلام- فأحضر "عمرو بن لحي" اصنام من الشام فعبدها العرب وكان اول من حرم الانتفاع ببعض الأنعام وتركها للآلهة، وقد أخبر الرسول عن مصير وسوء عاقبة "عمرو بن لحي" فقال  ﷺ: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ–أمعاءه- فِي النَّارِ ، فكان أول من غير دين إبراهيم" وفي رواية كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ" والسوائب هي الأنعام التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، فنزلت الآية في "عمرو بن لحي" وفي كل من يسير في طريقه.


❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇