Untitled Document

عدد المشاهدات : 113

الحلقة (409) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين من (112) و(113) من سورة "الأَنْعَام" (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ...

الحلقة (409)
تدبر الآيتين من (112) الى (124) من سورة "الأَنْعَام" (ص 142)

        

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) 


        

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)
يهون الله على رسوله ﷺ ما يلقاه من كفر قومه به وايذائهم له، فيقول تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) يعنى هذا الذي تلقاه يا محمد من تكذيب قومك لك وكفرهم بك وايذائهم لك، أنت لم تختص به وحدك، وانما ابتلى به جميع الأنبياء والمرسلين قبلك.
ولذلك عندما جاء الوحي الى الرسول ﷺ ولم يكن الرسول ﷺ يعلم أن هذا وحيًا، وذهبت به زوجته خديجة الى ابن عمها "ورقة بن نوفل" كان مما قاله "ورقة بن نوفل" للرسول ﷺ يا ليتني فيها جذعًا حين يخرجك قومك، يعنى يا ليتنى كنت شابًا قويا حين يخرجك قومك من مكة حتى أنصرك، فتعجب الرسول ﷺ وقال "أو مخرجي هم" قال: نعم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به، إلا عودي.
وقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا) يعنى  هذا جعل من الله تعالي، وأمر قدره الله تعالى على كل الأنبياء والمرسلين لحكمة عنده تعالى، لأن هذه العداوة أمر مسخر لصالح الدعوة، لأن الانسان اذا كان في منهج خير وأهاجه الشر يتحمس لمزيد من الخير، ولذلك نجد الصحوات الايمانية تستيقظ عندما يكون هناك خصومًا يتحدونها، أما اذا لم يكن لها أعداء فان الدعوة ستصبح فاترة، فعندما أسقط المغول الخلافة الاسلامية لجأ الناس الى الدين، ولذلك جاءت بعدها معركة عين جالوت التى أنهت أسطورة المغول، عندما حدث الغزو الأمريكي الى العراق، اكتظت المساجد بالمصلين، وهكذا.
ولذلك قال تعالى
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) يعنى هذا أمر قدره الله تعالى لصالح دعوة هذا النبي

        

قوله تعالى (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) عن مجاهد أن شَيَاطِينَ الْجِنِّ هم كفار الْجِنِّ، وشَيَاطِينَ الْإِنْسِ هم الكفار والعصاة من الْإِنْسِ.
وقدم تعالى شَيَاطِينَ الْإِنْسِ على شَيَاطِينَ الْجِنِّ لأن خطر شَيَاطِينَ الْإِنْسِ أعظم من خطر شَيَاطِينَ الْجِنِّ.
عن أبي ذرّ قال: أتيتُ الرسول فقال: "يا أبا ذَرّ، هَلْ تَعَوَّذْتَ بالله مِنْ شَرّ شَياطِين الإنْس والجِنّ؟ فقال: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نَعَمْ، شَرّ مِنْ شَياطِين الجِنّ"

لماذا شَيَاطِينَ الْجِنِّ أخطر من شَيَاطِينَ الْإِنْسِ؟ لأن شَيَاطِينَ الْجِنِّ غاية امره الوسوسة، يقول الرسول ﷺ "الحمدُ للهِ الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسةِ" ويصرفه الاستعاذة، أما شيطان الْإِنْسِ، فهو يجادلك ويقنعك ويغريك ويفعل كل شيء حتى يوقعك في المعصية.
وقد يفشل شيطان الجن في ان يوقعك في المعصية، فيذهب الى شيطان الانس فيوسوس له أن يأتيك ويأخذ الى المعصية.
ولذلك لا تجد أي شخص اتجه الى تعاطي المخدرات –مثلُا- بسبب شيطان الجن لابد أن يكون بسبب شيطان الانس.


        

قصة: شيخ كان يفسر لتلامذته قوله تعالى (الشيطان يعدكم الفقر) وقال أن المسلم اذا أراد أن يتصدق جائه سبعون شيطانًا حتى يصرفه عن هذه الصدقة، وأخذ الشيخ يحث تلامذته على الصدقة، فقام أحد التلاميذ الى بيته وأخذ مبلغًا من المال حتى يتصدق به، وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فلما أراد أن يخرج من بيته منعته زوجته، فلما ذهب الى شيخه سأل الشيخ تلامذته: ما فعلتم في الموعظة السابقة، فقال له هذا الرجل: جاءني السبعون شيطانًا فصرفتهم، حتى جاءتني أم الشياطين. 


        

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا (ولم يقل أعداء لاجتماع كلمتهم على محاربة هذا الدين.
فعندما ظهر الاسلام اتحد لأول مرة في التاريخ الفرس والروم، بعد سبعة قرون من الحروب فيما بينهما، اتحدوا في مواجهة الدولة الاسلامية، وكان ذلك في عهد أبو بكر الصديق حتى هزمهم –بأمر الله تعالى- خالد بن الوليد، وكذلك اتحد الصليبيون مع المغول في مواجهة المسلمين، والآن نجد جميع الديانات في عداوة مع المسلمين سواء مسيحية أو يهودية أو بوذية أو سيخية

        

وقوله تعالى (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) 
الوحي لغة هو الاعلام بخفاء، فقوله تعالى في هذه الآية (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) يعنى يوسوس بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وهذه الوسوسة تكون من شَيَاطِينَ الْجِنِّ الى شَيَاطِينَ الْإِنْسِ، وأيضًا من شَيَاطِينَ الْجِنِّ الى صلحاء الْجِنِّ، لأن الجن مكلف فيأتي الجن العاصي يوسوس الى الجن الطائع، وهناك وسوسة من شَيَاطِينَ الْإِنْسِ الى شَيَاطِينَ الْإِنْسِ، يقول فلان وسوسلي بكذا، وقد يكون هذا الوحي من شيطان الانس الى شيطان الجن، كما نقول "الشيطان يتعلم منه" 

        

يقول تعالى (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)
نحن نعلم أن الزخرفة هي التزيين، فزُخْرُفَ الْقَوْلِ يعنى تزيين الكلام وتحسينه بحيث يظهر على غير حقيقته، كما نقول يزوق الكلام.
وقوله تعالى (غُرُورًا) الغرور هو الخداع، يقولون غررت بفلان يعنى خدعته، فهؤلاء الشياطين من الانس يزينون الكلام الباطل ويحسنوه ويخدعون الناس بذلك.
كما قال تعالى في شأن المنافقين (إِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) 

عن النبي ﷺ قال "سيأتي على الناس سنوات خداعات وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة ؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة.
من (زُخْرُفَ الْقَوْلِ) تسمية المعصية بغير اسمها، فهؤلاء يقولن على الخمر "مشروبات روحية" وعلى الراقصات فنانات، و"الرشوة" اكرامية، ولا تجد أحد يقول لصاحبه نذهب الى هذا الفلان لنزني، ولكن يقول ننبسط.


        

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ)
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوا هذا، ولكنهم الله تعالى خلى بين رسله وبين أعدائهم، لحكمة عنده تعالى كما ذكرنا. وحتى يكون هذا النبي قدوة لغيره من المصلحين.

        

 (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) 
أي فَاَترْكهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ،وهذا فيه غاية التهديد لهؤلاء الشياطين من الانس والجن، كما قال تعالى (ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً)
ولله المثل الأعلى إذا قال الأم للابن قم فذاكر وهو لا يسمع كلامها، فجاء اخيه وقال لها يا أمي أخي لا يذاكر، تقول له "سيبه" فيها وعيد


        

(وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)
الإصغاء هو الميل، كانت العرب تقول: أصغت الشمس يعنى مالت الى الغروب، وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها، وأصغيت الاناء يعنى أملته، وأصغي اليه سمعه يعنى مال بجسمه حتى يسمع ما يقول.
يقول تعالى (ان تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما) يعنى خضعت
فقوله تعالى
(وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ) اللام لام الصيرورة، يعنى ولتميل الى ما يوحيه شياطين الانس والجن، والى الكلام الباطل الذي يزينه شياطين الانس والجن.
(أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ) يعنى قلوب وعقول الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ.
(وَلِيَرْضَوْهُ) يعنى تكون قلوبهم راضية بما هم فيه من ضلال، وهذا يدل على انتكاس فطرتهم.
(وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) 
كانت العرب تقول اقترف الأمر يعنى فعله، وكانت العرب تستعمله في الأمر السيء، كما تقول اقترف الذنب. 

        

يقول العلماء: ترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة، لأنه أولا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون الاقتراف، فكل واحد يترتب عما قبله.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇