Untitled Document

عدد المشاهدات : 153

الحلقة (402) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (91) من سورة "الأَنْعَام" (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...

الحلقة (402)
تدبر الآية (91) من سورة "الأَنْعَام" (ص 139)

        

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)  


        

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)
قيل إن هذه الآية الكريمة نزلت في رجل من أحبار اليهود من بنى قريظة اسمه "مالك بن الصيف" جاء الى الرسول ﷺ وجادله، وكان "مالك بن الصيف" رجلًا سمينًا، فقال له الرسول ﷺ "أنْشُدكَ بالذِي أنْزَلَ التوْرَاةَ على مُوسَى، أما تَجِد فِي التوْرَاةِ أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْر السَّمِينَ ؟" لأن الحبْر المفروض أن يكون زاهدًا في الدنيا منقطعًا للعلم، لا أن يكون سمينًا كثير الأكل. فلما قال له الرسول ﷺ ذلك، غضب مالك بن الصيف: وقال (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) يريد بذلك انكار نبوة الرسول ﷺ
فلما قال ذلك قال له أصحابه: ويحك ولا موسى ؟ فأصر على قوله وقال: والله مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فأنزل الله تعالى: (ومَا قَدَروا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا ما أنْزَلَ اللَّه على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)

        

(ومَا قَدَروا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) يعنى لم يعرفوا قدر الله تعالى في سخطه على الكافرين وشدة بطشه بهم، حتى قالوا هذه المقالة العظيمة 
ثم يقول تعالى
(إذْ قَالُوا ما أنْزَلَ اللَّه على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) يعنى قولهم هذا دليل على أنهم لم يعرفوا قدر الله تعالى.   
ثم رد تعالى برد بسيط وواضح وينهي هذا الجدال، فقال تعالى:
(قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) 
(نُورًا) أي ضياءًا (وَهُدًى لِلنَّاسِ) أي هداية للناس من الضلال.

        

وقد أثبت القرآن هذه المناقشة بين الرسول ﷺ وبين هذا الحبر اليهودي، لأن قول هذا الحبر (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) صورة تدل على تجرأ أحبار اليهود على تحريف كتبهم، وهو ليس تحريفًا في نص من نصوص التوراة، ولكنه انكار لجميع التوراة، ومن أجل قضية شخصية.
فمن يتجرأ على انكار جميع التوراة -ومن أجل قضية شخصية- فانه يسهل عليه –من باب أولى- أن يتجرأ على تحريف نصوص من التوراة من أجل منفعة دنيوية، مثل كتمهم صفة الرسول ﷺ في التوراة حفاظًا –من وجهة نظرهم- على سلطتهم الدينية.

        

ثم كشف القرآن كيف يحرف أحبار اليهود التوراة، فقال تعالى (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) القَرَاطِيسَ جمع قرطاس، وهي الصحيفة أو غيرها التي يكتب فيها، والمعنى أنهم كانوا يتعمدون ألا يجمعوا التوراة في كتاب واحد، -كما فعل المسلمون بعد ذلك في زمن أبو بكر الصديق- ولكن تعمدوا أن يجعلوا التوراة في قَرَاطِيسَ منفصلة، يعنى صحف منفصلة، حتى يظهرون ما يُريدون، ويخفون ما لا يُريدون، وهذه هي الطريق التي أخفوا بها صفة الرسول ﷺ في كتبهم، وأخفوا آية الرجم، وأخفوا تحريم الخمر، وغير ذلك.
        

يقول تعالى (وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ)
يعنى اذا لم يكن قد أنْزل عَلَى بَشَرٍ كتاب من السماء، فمن أين جاءكم العلم ألذي عندكم، مثل العلم بأخبار الأمم السابقة، واذا قلتم أن هذا العلم قد تعلمتموه من آبائكم، فمن أين جاء آبائكم بهذا العلم ؟
فقوله تعالى (وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ) يعنى: وَعُلِّمْتُمْ بواسطة الكتب التي أنزلت عليكم مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ، فهذا دليل على إنزال الكتب عليكم.

        

يقول تعالي (قُلِ اللَّهُ) 
يعنى قل لهم يا محمد اجابة عن سؤالك لهم: الله -تعالى- هو الذي أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسَى، وهو تعالى الذي ينزل الكتب على أنبيائه ورسله، اذن ما كان يصح أن تقولوا (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)

        

ثم يقول تعالى (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)
"الخوض" هو الدخول في الماء الكثير، الذي لا تستبين العين فيه موضع القدم، وربما نزل في هوّة، ثم استعمل واستعير للدخول في الباطل.
و"اللعب" هو الشيء الذي لا فائدة منهم.
فقوله تعالى (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) يعنى ذكرهم يا محمد، ثم بعد أن تذكرهم اترك من أصر على الباطل في باطله، ولا تلفت له، ولا تنشغل به، وعالمه كالطفل الذي بين يديه لعبة يلعب بها.


        

وهذه الآية الكريمة كما خاطب الله تعالى بها يهود المدينة، خاطب بها كذلك المشركين من أهل مكة:
يقول تعالى
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) يعنى ما عرفوا الله حق معرفته في رحمته ولطفه بعباده حين أنكروا ارسال الرسل وإنزال الكتب. 
يقول تعالى
(إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) يعنى قال مشركي أهل مكة، أن الله تعالى لم ينزل كتب من السماء على أحد من البشر، لا على محمد ولا على أحد قبله، ويقصدون بذلك الطعن في نبوة النبي ﷺ وفى أن القرآن من عند الله.

        

 (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) يعنى قُلْ لهم يا محمد: إذا كنتم تقولون إن الله لم ينزل كتابًا من السماء على أحد من البشر، فمن الذي أنزل التوراة على موسي، وكان المشركون لا ينكرون أن الله تعالى أنزل التوراة على موسي.
ثم يقول تعالى (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) على هذا التفسير هناك قراءة ثانية
(يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) (يَجْعَلُونَهُ) يعنى اليهود يجعلون التوراة (قَرَاطِيسَ) صحف منفصلة (يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) يبدون ما يردون ويخفون عنكم يا أهل مكة ما يريدون اخفائه من صفة الرسول ﷺ المذكورة في كتبهم 
اذن الآية تحمل خطاب لليهود وخطاب للمشركين، وكل قراءة تفيد تفسير من التفسيرين.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇