Untitled Document

عدد المشاهدات : 161

الحلقة (390) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (51) و(52) و(53) من سورة "الأَنْعَام" قول الله -تَعَالي- (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (390)
تدبر الآيات (51) و(52) و(53) من سورة "الأَنْعَام" (ص 133)

❇        

(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) 


❇        

(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)
(وَأَنْذِرْ بِهِ) أي أَنْذِرْ يا محمد بِالقرآن أو أَنْذِرْ بالله، والمعنى واحد، لأن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، فاذا قلت أنذر بِالقرآن فهي تعنى أَنْذِرْ بالله
(الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) 
يعنى وَأَنْذِرْ بالله المؤمنين، لأن المؤمنون هم الذين يَخَافُونَ الحشر والحساب والوقوف بين يدي الله عز وجل.
ويدخل فيها اليهود والنصارى، لأن اليهود والنصارى كانوا يؤمنون بيوم القيامة والبعث والنشور والحساب.
ويمكن أن يدخل فيه الكفار الذين كان الرسول ﷺ يخوفهم يوم القيامة، وكانوا يتأثرون بذلك التخويف، وكانوا يخاقون أن يصح ما أخبر به الرسول ﷺ
اذن قوله تعالى
(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) يشمل المؤمنين بالعبث من المسلمين، ويشمل أهل الكتاب، ويشمل بعض المشركين المترددين في تصديق كلام الرسول ﷺ

❇        

(لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ) 
هذا وصف للموقف يوم القيامة
يعنى: لَيْسَ لَهُمْ
(مِنْ دُونِهِ) في مواجهة الله –سبحانه وتعالى 
(وَلِيٌّ) نصير ينصرهم من الله تعالى.
(وَلَا شَفِيعٌ) ولا من يشفع لهم عند الله تعالى، وينجيهم من العذاب.
(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعنى أنذرهم وخوفهم وذكرهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ويخافون ويدخلون في زمرة المؤمنين المتقين.

❇        

(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)
 روي عن سعد بن أبي وقاص أن هذه الآية نزلت في ستة من أصحاب الرسول ﷺ منهم: عبد الله بن مسعود، وبلال، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وصهيب الرومي، وهؤلاء كانوا عبيد وموالى، وكانوا يجلسون الى الرسول ﷺ فقال أشراف قريش للرسول ﷺ اطرد عنا هؤلاء، فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا، فلعلك ان طردتهم نتبعك، وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو فعلت ذلك حتى نعلم ما يريدون وإِلاَمَ يصيرون، وهم الرسول ﷺ بذلك، فنزلت هذه الآية الكريمة:
(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)  

❇        

وقد ذكر لنا القرآن العظيم أن الأشراف من قوم نوح طلبوا من نوح –عليه السلام- وأن نوح –عليه السلام- رد عليهم وقال (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)
اذن هذه مشكلة قديمة، ودائمًا يثيرها الكفار المتعسفون المتكبرون في كل أمة من الأمم.


❇        

وفي كتب السيرة أن هِرَقْلَ قيصر الروم حين سمع بالرسول ﷺ وكان هِرَقْلَ بالشام فطلب من جنوده أن يأتوا اليه بأحد من قومه، وكان أبو سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ زعيم قريش بالشام، فجاءوا به، وسأله هِرَقْلَ عن الرسول ﷺ أسئلة كثيرة، فكان مما سأله: أشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ فقال أبو أشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فقال أبو سُفْيَانَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.
فقال هِرَقْلَ: وهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ

❇        

يقول تعالى (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)  
يعنى: وَلَا تَطْرُدِ يا محمد هؤلاء العبيد والموالي والفقراء
(الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) يعنى الَّذِينَ يعبدون الله تعالى، وقيل المقصود بالدعاء هنا هو الصلاة. 

(بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) لأن الصلاة كانت في أولها صلاتين فقط: صلاة في أول النهار وصلاة أخره.
(الْغَدَاةِ) يعنى في أول النهار، وهو الوقت من الفجر الى شروق الشمس وَ(الْعَشِيِّ) هو آخر النهار، وهو الوقت من المغرب الى العشاء.
والمقصود المداومين على عبادة الله تعالى، في كل وقت سواء في ذكر أو صلاة أو قراءة قرآن، لأنه يكنى بطرفي الشيء عن جملته، كمن يقول: أنا أفعل ذلك صباحًا ومساءًا. 

❇        

(يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) يعنى مخلصون في العبادة لا يريدون بذلك الا رضا الله سبحانه وتعالى.  
يقول الامام محمد عبده في المنار: أصل ابتغاء الوجه بالعمل، هو أن يعمل ليواجه به من عمل لأجله.
لأن المشركون طعنوا في هؤلاء الضعفاء واخلاصهم، وقالوا إنهم يجلسون اليك لينتفعوا منك وحتى تنفق عليهم وغير ذلك، فرد الله تعالى عليهم وقال أن هؤلاء لا يريدون بعبادتهم الا وجه الله تعالى.

❇        

(مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) 
يعنى أنت لست مسئولًا عن حساب هؤلاء.
يعنى ان طعن المشركون في دينهم وفي اخلاصهم، وقالوا إنهم يجلسون اليك لتنفق عليهم، فأنت لست مسئولًا عن حسابهم، بل ان حسابهم على الله وليس عليك أنت.

 (وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) 
كما أنه ليس عليك أن تحاسبهم، فليس عليهم محاسبتك أنت.
لماذا قال تعالى هذه العبارة ؟
حتى يساوي الله تعالى بين هؤلاء النفر من فقراء المؤمنين وبين الرسول ﷺ حتى يوجه الرسول ﷺ الى التواضع مع هؤلاء الفقراء.
يقول الإمام محمد عبده في ذلك: المأثور عن النصارى أن المسيح عليه السلام كان يسمى معلما، وأن أتباعه في عهده كانوا يسمون تلاميذ. وأما أتباع نبينا ﷺ فقد اختار لهم كلمة الأصحاب الدالة على المساواة تواضعا.

(فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) يعنى ان طردتهم تَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ.

❇        

(وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) 
الفتنة هو الاختبار، فقوله تعالى (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) يعنى اختبرنا بعض الناس ببعض، فالله تعالى يختبر الغني بالفقير، هل سيحتقر الفقير أم يتواضع له، واختبرنا الفقير بالغنى هل سيحقد عليه أم سيرضي بقسمة الله له، ويختبر صاحب المنصب والجاه والسلطة بمن ليس له منصب ولا جاه ولا سلطة، ويختبر القوي بالضعيف، وصاحب العيال بمن ليس له عيال، والجميلة بغير الجميلة، والمتزوجة بغير متزوجة، وهكذا..  

❇        

وفي سبب نزول الآية المعنى: وَكَذَلِكَ اختبرنا السادة والأغنياء بالموالي والفقراء.
يقول تعالى
(لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) يعنى كانت نتيجة الاختبار هو أن هؤلاء الأقوياء الأغنياء قالوا: هل أنعم الله على هؤلاء المساكين والضعفاء بالإيمان والهداية ولم ينعم علينا ونحن الأكابر والرؤساء، وهذا كما قال تعالى في سورة الأحقاف (لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْه)

❇        

انظر الى عمر بن الخطاب كان من أشراف قريش ومن أغنياء مكة، وكانت له السفارة، أي السفارة بين قريش وبين غيرها من القبائل، وهو أعلى منصب في بنى عدي، ومع ذلك بعد الاسلام كان يقول "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا" يعنى أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا وهو بلال، وكان بلال عبدًا حبشيًا عند "أمية بن خلف"
❇        

عندما حدث خلاف بين "بلال" وبين "أبو ذر" رضى الله عنهما، فقال "أبو ذر" لبلال "يا ابن السوداء" فلم يرد عليه بلال، بل ذهب واشتكي الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فغضب النبي وقال "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" فبكي أبو ذر وندم ندمًا شديدًا، ووضع خده على الأرض، وطلب من بلال أن يطأ خده بقدمه، فأمسك بلال بيده وقال له: غفر الله لك

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇