Untitled Document

عدد المشاهدات : 189

الحلقة (389) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات من (46) الى (50) من سورة "الأَنْعَام" قول الله -تَعَالي- (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (389)
تدبر الآيات من (46) الى (50) من سورة "الأَنْعَام" (ص 133)

❇        

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ  (50)    

 
❇        

قلنا أن المحور الرئيسي لسورة الأنعام هو تثبيت العقيدة الاسلامية، من اثبات وجود الله تعالى، وتوحيده، واثبات الرسالة واثبات ان هناك يوم القيامة، وثواب وعقاب وجنة ونار، وغير ذلك من أساسيات العقيدة الاسلامية، وفي سبيل ذلك فان سورة الأنعام تناقش وتجادل وتحاج المشركين، ولذلك نجد أن سورة الأنعام هي أكثر سورة تكرر فيها كلمة (قُلْ) لأن الآيات تلقن الرسول ﷺ الحجة في مواجهه المشركين
❇        

يقول تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) 
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ) يعنى قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين 
(أَرَأَيْتُمْ) يعنى أخبروني، وأصلها أخبروني اخبار من رأي.
(إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ) يعنى إِنْ سلب اللَّهُ منكم سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ.
(وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) يعنى وَأخذ منكم العقل والقدرة على الفهم والادراك.
(مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) هذا سؤال تقريري، يعنى ليس هناك اله غَيْرُ اللَّهِ تعالى يستطيع أن يرد عليكم هذه الحواس، فاذا كنتم تعلمون ذلك، وتعلمون أن هذه الالهة التى تعبدونها مع الله لا تقدر على ذلك، فلماذا تدعونها وتعبونها مع الله تعالى.
وهذا المثال الذي ضربه الله تعالى يحمل معنى التهديد، لأن هذه الحواس التى منحها الله لبنى آدم، كان يجب أن يستخدمها في طاعة الله –عز وجل- فاذا استخدمها في معصيته، فان الله تعالى يمكن أن يسلبها منه كما منحها اياه.

❇        

ويحتمل أن يكون المعنى: (إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ) يعنى جعلكم لا تسمعوا كلام الحق، ولا تتأثروا بموعظة.
(وَأَبْصَارَكُمْ) يعنى جعلكم لا ترون الحق ولا ترون طريق الهداية، ولذلك قال بعدها:
(وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) يعنى طبع عَلَى قُلُوبِكُمْ، يعنى غطي عَلَى قُلُوبِكُمْ، فلا تدخل فيها الهداية، ولا يخرج منها الكفر.
(مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) سؤال تقريري كما ذكرنا، يعنى: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بالهداية.

❇        

(انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ) انْظُرْ يا محمد كَيْفَ نوضح لهم الآيات ونبينها ونكررها وننوعها حتى يقتنعوا ويؤمنوا.
(ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) 
(يَصْدِفُونَ) يعنى يعرضون، وهي مأخوذة من الصَّدَفِ في البعيرِ، وهو أن يميل خُفُّهُ الى الداخل.
والمعنى: ثُمَّ هُمْ بعد كل هذا البيان، وكل هذه الآيات الواضحة، يعرضون عنها، وينفرون منها.
وحرف
(ثُمَّ) يفيد الاستبعاد، يعنى كيف بعد ذكر كل هذه الآيات، أن تقابل بالإعراض والرفض.

❇        

(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) 
(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين أخبروني ماذا ستفعلون  
(إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً) إذا نزل بكم عَذَابُ اللَّهِ، كما حدث مع المكذبين من الأمم السابقة.
(بَغْتَةً) يعنى فجأة وأنتم آمنون وبدون مقدمات 
(أَوْ جَهْرَةً) يعنى جاء وكان له مقدمات 
وقيل بَغْتَةً يعنى ليلًا، و(جَهْرَةً) يعنى نهارًا 
وهذا تهديد لهؤلاء المشركين، أن العذاب يمكن أن يأتيكم في أي وقت وفي أي لحظة، وأن العذاب إذا جاء وله مقدمات فانه لا يستطيعون الهروب منه أو تجنبه.
كما قال تعالى في سورة الأحقاف (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ )

(هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) يعنى حين ينزل الله العذاب بقوم مثل الصاعقة أو الخسف أو غير ذلك، فانه لا يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الكافرون المصرون على الكفر، بينما ينجي الله المؤمنين من هذا العذاب.  


❇        

(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) 
سبب نزول الآية أن مشركي قريش كانوا يقترحون على الرسول ﷺ آيات بعينها، فقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) يعنى أي رسول يرسل ليبشر المؤمنين بالجنة، وينذر العاصين بالعذاب، وليس لكي يأتي بالآيات التي يقترحها المتعسفون والكافرون من قومهم. 
ثم أخبر تعالى أن الناس في استقبال رسله على صنفين الصنف الأول هم المؤمنون، فقال تعالى
(فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
(فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ) فَمَنْ آَمَنَ بقلبه وَأَصْلَحَ عمله.
(فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) 
تشمل حياة الانسان كلها: (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبلونه (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) فيما مضى من حياتهم.
وهي تشمل الآخرة كذلك، فهؤلاء لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يوم القيامة، بل هم يوم القيامة آمنون سعداء.

❇        

(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)
القسم الثاني في استقبال رسالة الرسل: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)
قوله تعالى (يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ) يعنى ينالهم الْعَذَابُ
والتعبير بقوله تعالى
(يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ) جعلت العذاب كأنه كائن حي يسعي الى أن يوقع بهم الألم والعذاب، كما قال تعالى في سورة ق (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ)
 
(بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) يعنى بسبب كفرهم.
أصل الفسق الخروج على وجه الافساد، ولذلك أطلق على الفأرة "فويسقة" لأنها تخرج من جحرها وتفسد، وكانت العرب تقول فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها لأنها حين تخرج عن قشرتها تفسد.
ولذلك أطلق على الخروج عن منهج الله فسق، لأن الذي يخرج عن منهج الله يفسد المجتمع الذي هو فيه.
فيطلق الفسق على الخروج عن طاعة الله بالمعاصي، ويطلق على الخروج عن الملة بالكفر، ويفهم المعنى حسب سياق الآية.
هنا المقصود الخروج عن الملة بالكفر، لأنه الله تعالى قال (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا) (يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) يعنى بسبب كفرهم بالقرآن العظيم وبالرسول ﷺ

❇        

(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)  
هذه الآية رد على تعنت كفار قريش والذين كانوا يطلبون من الرسول ﷺ ويقترحون عليه آيات بعينها، فكان مما طلبوه من الرسول ﷺ أن يغنى فقرائهم، وأن يوسع على أغنيائهم، فقال تعالى:
 
(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ)
(قُلْ) قُلْ لهم محمد.  
(لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ) أنا لم أقل لكم، ولم أدعي أني أملك خَزَائِنُ رزق اللَّهِ، من النبات والثمار والأمطار والأموال وغير ذلك حتى أعطيكم منها ما تطلبون. 
(وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) يعنى ولم اقل لكم –كذلك- أني أَعْلَمُ الْغَيْبَ، لأنهم كانوا يقولون أخبرنا عما يقع في المستقبل حتى نستعد له.
(وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) ولم أدعي أني مَلَكٌ، وأني أقدر على أمور لا يقدر عليها البشر.
ولأنهم كانوا يقولون: مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ويتزوج النساء؟  

(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) 
يعنى أنا بشر مثلكم، ولم أدعي الا النبوة والرسالة، وأمتثل –فقط- لما يأمرني به الله تعالى عن طريق الوحي.
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) 
سؤال تقريري: يعنى الفرق بين المؤمن والكافر كالفرق بين الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ.
(أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) دائمًا نجد القرآن يحث على التفكر والذكر والتدبر، وعندما يحث انسان آخر على التفكر فان هذا يعنى أنه إذا تفكر في الأمر فانه لن يصل الا الى الرأي قاله هو.
وهذا مثل البائع الذي يحث المشتري على اختبار السلعة، فهذا يدل على ثقته في سلعته.
فاذا حث القرآن على التفكر فهذا يدل على ثقة القرآن في القضايا التي يعرضها، من وجود الله تعالى ووحدانيته والرسالة ويوم القيامة وغير ذلك من القضايا التي يعرضها القرآن العظيم.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇