Untitled Document

عدد المشاهدات : 186

الحلقة (377) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات من (116) الى (120) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- ((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (377)
تدبر الآيات من (116) الى (120) من سورة "المائدة" (ص 127)

        

(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)


        

(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)
تحدثت الآيات السابقة عن أحد مشاهد يوم القيامة فقال تعالى (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) وقلنا أن هذه المناقشة يوم القيامة ستكون أمام أممهم، وأمام جميع الأمم، ثم تكون هناك مناقشة خاصة بين الله تعالى وبين عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلامُ- فيقول تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ) الى آخر الآية.
ثم تستكمل الآيات الكريمة هذه المناقشة الشريفة التي ستكون يوم القيامة بين الله تعالى وبين عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلامُ- فيقول تعالى (
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) وهذه العبارة بصيغة الماضي فقال تعالى (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ) مع أن يوم القيامة في المستقبل، وقد عبر الله تعالى في أكثر من موضع في القرآن عن يوم القيامة بصيغة المستقبل، وذلك للإشارة الى أن يوم القيامة أمر واقع لا محالة.
والكشف العلمي الجديد في هذا الأمر، أن العلماء اكتشفوا أن دماغ الانسان يتأثر بالحديث عن الماضي أكثر من تأثره بالحديث عن المستقبل

        

يقول تعالى (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) 
يعنى يقول تعالى لعيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- أمام أمته الذين ادعو أنه اله أو ابن اله أو جزء من اله: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هل أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الذين ارسلتك اليهم رسولًا اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ (مِنْ دُونِ اللَّهِ) بدلًا مِنْ عبادتكم لله تعالى.
والله تعالى يسأل عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- هذا السؤال وهو –تعالى- يعلم الاجابة، وهو –تعالى- يعلم أن عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- لم يقل ذلك، ولكن المقصود بالسؤال هو تقريع وتبيخ من قال ذلك من النصاري، لأنهم ادعوا أن المسيح هو ابن الله، فيناديه تعالى أمامهم ويقول له (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) وادعوا أن الله قد حل في جسد المسيح، يعنى أن المسيح هو الله، فيأتي تعالى بالمسيح نفسه أمامهم، ويقول له: هل أنت قلت لهم أنك اله ؟

والعجيب أنه ليس هناك موضع واحد في الأناجيل الأربعة التي يؤمن بها النصاري، يدعي فيها المسيح -عَلَيْهِ السَّلامُ- الألوهية لنفسه، ليس هناك آية واحدة في هذه الأناجيل –مع أن هذه الأناجيل قد تم تحريفها- ليس هناك آية واحدة يقول فيها المسيح -بوضوح- أنه هو الله، أو أن الله قد حل في جسده.

        

أما اتخاذ النصاري السيدة مريم اله، فان بعض الكنائس الشرقية والغربية تعبد السيدة مريم، وهم جميعًا يعتقدون أن السيدة مريم تنفع بنفسها، ولذلك فهم يدعونها ويطلبون منها ويستغيثون بها، واذا وقع أحدهم في مصيبة أو ضيق فانه يقول: أغيثينى يا عذراء، وأنقذينى يا عذراء.
        

قيل أن عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- عندما سأل هذا السؤال من الله تعالى أخذته الرّعدة، وفي الحديث أن الله تعالى الهم عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- جوابه فقال تعالى
        

(قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)
(قَالَ سُبْحَانَكَ) يعنى أنت منزه يا رب من أن تحل في جسد عبد من عبيدك، ومنزه من أن تكون ثالث ثلاثة
(مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) 
(مَا يَكُونُ لِي) لا يحق لي، ولا يمكن لمثلي وأنا عبد طائع، وعبد معصوم، وأنت الذي أيدتني بالعصمة.
(أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) أَنْ أَقُولَ قولًا أو أدعي ادعاءًا لَيْسَ لِي أي حَقٍّ في أن أقوله.
وهذا الأسلوب أبلغ في النفي، مثل شخص اتهم شخصًا آخر بأنه قد ذمه في غيبته، فيمكنه أن ينفي ذلك ويقول: أنا لم اقل مثل هذا الكلام، ولكن الأبلغ في النفي أن يقول أنا لا يمكن أن يصدر مني مثل هذا الكلام.

        

ثم يستشهد عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- على براءته بالله تعالى فيقول: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) 
إِنْ كُنْتُ قد قُلْتُ هذا الكلام كنت قد عرفت أني قد قلته، لأنه لا يخفي عليك شيء.
(تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) 
أنت يا رب تَعْلَمُ مَا أخفيه فِي نَفْسِي، وأنا لا أَعْلَمُ مَا فِي تخفيه فِي نَفْسِكَ، فأنا عبد وأنت اله
كأن عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- يقول أن هذا الأمر -وهو ادعاء الألوهية- لم أحدث حتى به نفسي، ولم كنت قد حدثت به نفسي، كنت قد علمت ذلك لأنك تعلم ما أحدث به نفسي.

        

 (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)
وقد أكد عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- هذه الجملة بعدة مؤكدات: (إِنّ) المؤكدة، والضمير (أَنْتَ) وصيغة المبالغة (عَلَّامُ) وصيغة الجمع (الْغُيُوبِ)

        

البعض يتوقف عند قوله تعالى (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فيقول هل الله له نفس ؟ نقول نعم يقول تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ويقول تعالى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)  فالله تعالى له نفس، ولكن نفس تليق به تعالى، ونأخذه في اطار (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) 
كما أن له يد وله ساق وله وجه وله سمع وله بصر، وكل هذا نأخذه في اطار (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)


        

(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) 
ثم يكمل عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- شهادته، فهو نفي أن يكون قد قال لهم أنه اله، ثم يذكر ما الذي قاله لهم، حتى تكون شهادته كاملة.
(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) 
مَا قُلْتُ لمن أرسلتني اليهم، إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي فقط أن أقوله، لم أزد عليه كلمة واحدة
(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) وبدأ بنفسه، فأنا عبد مثلكم.
(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
يعنى عندما كنت معهم لم يقل أحد منهم أني اله أو جزء من اله (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ)
(فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يا رب لا أدري ما أحدثوا من بعدي، وكُنْتَ أَنْتَ يا رب الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ.

        

عندما تحدث عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- عن نفسه قال أنه شهيد عَلَيْهِمْ (كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) وحين تحدث عن الله قال أنه رقيب (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)
لأن الشاهد هو الذي يري المشهود ولا عمل له في تغيير ما يشاهده، أما الرقيب فهو يراقب المشهود وله أن يمنعه وله أن يعاقبه
.
مثال: اذا كانت هناك قضية سرقة أو قتل، وجاء شاهد الى المحكمة فانه يقول: شاهدت كذا وكذا، وليس مطلوبًا منه أن يمنع السرقة أو القتل.
أما كان هناك مراقب في لجنة امتحان فاذا شاهد طالب يغش فانه لا يكتفي بأن يسجل عليه ذلك، ولكن سيمنعه من الغش.
وكذلك ادارة الرقابة في الشركات، وبرج المراقبة
ولذلك عندما تحدث عيسي عن نفسه قال (كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) لأنه لا عمل له في تغيير ما يشاهده، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، وعندما تحدث عن الله قال (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) لأن الله تعالى يملك أن يمنع وأن يغير وأن يعاقب.

        

قوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) التوفي هو أخذ الشيء وافيًا كاملًا غير منقوص، كما نقولك استوفي الموضوع حقه يعنى تحدث عنه من جميع جوانبه.
ولذلك أطلق على الموت وفاة، لأن الذي يموت يكون قد استوفي المدة التي كان مكتوبًا أن يبقي فيها في الأرض، واستوفي رزقه الذي كان مكتوبًا له الدنيا
فقوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) يعنى أخذتني وافيًا كاملًا بالرفع الى السماء بالجسد والروح.

        

(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)
ان أردت أن تُعَذِّبْهُمْ بسبب صنيعهم هذا فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ لا يملكون حولا ولا طولا ولا قوة ولا يمتنعون منك، وان أردت أنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ كذلك، وتحت مشيئتك.
وقد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قام بهذا الآية ليلة كاملة يرددها حتى أصبح.
قال ابن القيم اذا قرأت القرآن واستوقفتك آية فهمتها ووجدت أثرها في قلبك فأعدها مرة وعشرة ومائة فانه خير لك من ختمة ، لأن المقصود أن ينتفع القلب بهذه القرآن
وفي البخاري عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، بموعظة، فقال: "
يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة، عراة، غرلاً يعني غير مختونين (كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ) فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم"

        

قال البعض كيف يقول عيسي (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) مع أن عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- يعلم أن الله تعالى لا يغفر لمن يشرك به ؟
نقول أن كلام عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- يعنى رد المشيئة إلى الله عز وجل؛ وأنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. 
ولأن عيسي -عَلَيْهِ السَّلامُ- يعلم أن الله تعالى لا يغفر لمن يشرك به، لم يقل "وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغفور الْرحيمُ" ولكنه قال (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

        

وجاء هذا التذييل، وهو قول الله تعالى (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ليناسب قوله تعالى (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) ويناسب قوله تعالى (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ).
فلو جاء التذييل "فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغفور الْرحيمُ" فانه يناسب قوله تعالى (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) ولكن لا يناسب قوله تعالى (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) 
لأن (الْعَزِيزُ) هو الذي لا يغلب ولا يسأل عنا يفعل، فان حكم بعذابهم فلن تأتي قوة ثانية فتدفع العذاب عنهم، وان أراد أن يغفر لهم، فلن يستطيع أحد أن يقول له لم غفرت لهم.
قم قال (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) والْحَكِيمُ هو الذي يضع كل شيء في موضعه، فانت اذا حكمت فلن تحكم فيهم الا بالعدل.


        

(قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) 
(قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)  
يعنى قَالَ اللَّهُ هَذَا اليَوْمُ وهو يوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ في الدنيا صِدْقُهُمْ.
(لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي لَهُمْ جَنَّاتٌ تجري الأنهار من تحت قصورها ومن تحت أشجارها 
(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) لا يتحولون عنها، وهذا هو الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، فنعيم الدنيا اما أن يفارقك أو تفارقه، ونعيم الآخرة لن تفارقه ولن يفارقك 
(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)
في صحيح البخاري "إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالَى يقولُ لأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فيَقولونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ، فيَقولُ: هلْ رَضِيتُمْ ؟ فيَقولونَ: وما لنا لا نَرْضَى وقدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فيَقولُ: أنا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ مِن ذلكَ، قالوا: يا رَبِّ، وأَيُّ شَيءٍ أفْضَلُ مِن ذلكَ؟ فيَقولُ: أُحِلُّ علَيْكُم رِضْوانِي، فلا أسْخَطُ علَيْكُم بَعْدَهُ أبَدًا."
(ذَلِكَ) يعنى دخولهم الجنة (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)


        

(لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)
(لِلَّهِ) يعنى لِلَّهِ وحده مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ولذلك قدمها للحصر. 
(وَمَا فِيهِنَّ) كل شيء في السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ملك لله تعالى 
البشر الماء الهواء 
ثم ختم هذه السورة الشريفة بقوله تعالى
(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) كل شيء تحت قدرته تعالى.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇