Untitled Document

عدد المشاهدات : 270

الحلقة (373) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (106) و(107) و(108) من سورة "المائدة" من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ...

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (373)
تدبر الآيات (106) و(107) و(108) من سورة "المائدة" (ص 125)

        

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)


        

هذه الآيات الثلاثة تتناول ما الذي يجب على المسلم فعله اذا كان مسافرًا ثم شعر باقتراب أجله، خاصة أن التجارة كان الحرفة الرئيسية لكثير من العرب، لأن الجزيرة العربية كانت في قلب العالم القديم، وبالتالي كانت تجارة العرب هي التي كانت تصل أطراف العالم القديم، ولذلك كان العرب كثيري الأسفار، وكانوا يتعرضون للموت أحيانًا اثناء السفر، بسبب المرض أو غير ذلك.
فوجهت الآيات الى أن المسلم اذا كان مسافرًا للتجارة وشعر باقتراب أجله، فيجب عليه في هذه الحالة ألا ينسي الوصية، وذلك حتى تصل تجارته التي خرج بها الى أهله كاملة غير منقوصة، وأيضًا لأنه ربما يكون مدينًا لأحد أو كان له دين عند أحد، وهذا هو الغالب بالنسبة للتاجر، فعليه أن يوصى حتى لا يضيع على الورثة حقًا لهم، أو أن يسدد ما عليه من ديون.
ووجهت الآية الى أن الموصي يجب عليه أن يُشْهِد على وصيته اثنين من المسلمين، فإذا لم يكن معه مسلمين فيشهد اثنين من غير المسلمين
وتناولت الآيات تفاصيل دقيقة لتغطي كافة الاحتمالات، فاذا شك الورثة في صدق الشاهدين، فيؤتي بالشاهدين بعد الصلاة ويقسمان بالله أنهما صادقين في شهادتهما، وذكرت الآيات صيغة تقال بعد القسم لتأكيد القسم.
فاذا ظهر بعد ذلك ما يدل على أن الشاهدين قد كذبا أو خانا، جاء رجلان من ورثة الميت وحلفا لأن الشاهدين قد كذبا، فاذا فعلا ذلك يغرم الشاهدين ما ظهر من الكذب أو الخيانة.

        

وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، أن اثنين من النصاري أحدهما اسمه "تميم الداري" وأخوه من أمه "عدي بن بَدَّاء" كانت لهما تجارة الى الشام، فخرج معهما الى الشام رجل مسلم اسمه "بديل بن أبى مريم" من بنى سهم، وكان أهم ما معه في تجارته "جام" أي اناء من فضة عليه صفائح من ذهب يريد أن يبيعه الى الملك، ثم مرض "بديل بن أبى مريم" وشعر بدنو أجله، فطلب من تميم و عدي أن يوصلا تجارته ومتاعه الى أهله، فلما مات "بديل" طمع "تميم" و"عدي" في الجام، فأخذاه وباعاه بألف درهم، واقتسما ثمنه، ثم ذهبا الى أهله وسلموهم تجارة "بديل" ومتاعه، فقال أهله: كأن كان معه جام ؟ فقالا لهم: ما ندري ولا علم لنا بالجام، فرفعوا الأمر الى الرسول ﷺ  فاستدعي الرسول ﷺ "تميم" و"عدي" واستحلفهما الرسول ﷺ  فحلفا أن لا علم لهم بالجام. 
وبعد ذلك بفترة وجد بعض ورثة "بديل" الجام وهو يباع في أحد أسواق مكة، فسألوا التاجر من أين جاء بالإناء فقال أنه اشتراه من تميم وعدي بألف درهم، فعادوا الى الرسول ﷺ  فاستدعي الرسول ﷺ  تميم وعدي وورثة "بديل" وطلب من ورثة "بديل" أن يحلفا أن شهادتهما أصدق من شهادة تميم وعدي فحلفا بذلك، فحكم الرسول ﷺ على تميم وعدي بأن يؤدوا الى ورثة السهمي قيمة الجام.
وقد أسلم بعد ذلك "تميم الداري" وحسن اسلامه، واشتهر بقصة لقائه بالجساسة والمسيح الدجال، واختلفوا في اسلام أخيه "عدي بن بَدَّاء" فلما أسلم "تميم الداري" قال: صَدَقَ اللهُ ورسوله أنَا أخَذْتُ الإنَاءَ 

        

يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) يعنى الشَهَادَةُ التي تكون بَيْنِكُمْ
(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) يعنى إِذَا شعر أَحَدَكُمُ باقتراب أجله. 
(حِينَ الْوَصِيَّةِ) يعنى وأراد أن يوصي، وليس المقصود هو الوصية المعروفة والتي تكون في حدود الثلث، ولكن المقصود: الوصية التي تكون قبل الموت، يعنى أن يذكر لأهله اذا كانت هناك حقوق له أو حقوق عليه، أو يأمر بشيء أو ينهي عن شيء، والآية فيها التأكيد على أهمية الوصية. 
 (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) يعنى يشهد على الوصية اثنان، وهذان الاثنان يشترط فيهما العدل، يعنى العقل والاستقامة، و يشترط فيهما أن يكونا (مِنْكُمْ) أي من المسلمين.
وهذه نأخذ منها أيضًا أهمية الاشهاد على الوصية، فكثير من الناس، يكتبون وصيتهم ولا يشهدون عليها أحد، فيكون ذلك سببًا –في بعض الأحيان- في ضياعها.

(أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) يعنى أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غير المسلمين، اذا كنتم مسافرين لأن في حالة السفر يمكن ألا يكون معه مسلمين.
ويقال للمسافر ضارب في الأرض، لأنه يضربها برجليه أو بعصاه.   
و
(أَوْ) هنا ليست للتخيير، وانما للترتيب، يعنى اذا لم تجدوا شاهدين مسلمين، فالتمسوا شاهدين آَخَرَينِ مِنْ غير المسلمين، سواء كانا من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب. 
وهذه الحالة وهي حالة الوصية في السفر، هي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها شهادة الكافر على المسلم.

(فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) يعنى أحسستم باقتراب الْمَوْتِ.
وجعل الله تعالى في هذه الجملة الموت مُصِيبَةُ ليس لأهل الميت، ولكنها مُصِيبَةُ للميت نفسه، والموت هو أعظم مُصِيبَةُ تصيب الانسان، لأن بالموت ينقطع عمل الانسان، وليس هناك مُصِيبَةُ أكبر من انقطاع عمل الانسان.
اذن المعنى:
في حالة الاقامة يشهد على الوصية رجلان مسلمان، أما في حالة السفر، وشعر المسافر بقرب الموت، ولا يوجد رجلان مسلمان فيشهد على الوصية رجلان غير مسلمان.

        

(تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) يعنى اذا شك ورثة الميت في الرجلان الشاهدان يكون التصرف أن (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) 
وليس المقصود بالحبس هنا السجن، ولكن المعنى أن يوقفا بعد الصلاة
قال جماعة من الصحابة والتابعين يكون ذلك بعد صلاة العصر، لأن هذا وقت اجتماع الناس بعد انتهاء أعمالهم في النهار، ولأن الرسول ﷺ  كان يقضي بين الناس بعد صلاة العصر.
وذهب البعض الى أن ذلك يكون من بعد صلاتهم هم، لأنهما لا يحترمان صلاة المسلمين، ويكون –كذلك- بعد صلاة العصر، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت.
لماذا بعد الصلاة ؟ لأن الصلاة –حتى لغير المسلم- تعنى أنك تقف بين يدي الله، فيكون الانسان بعد ذلك اقل اجتراءً على الحلف الكذب  

        

(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) فيحلفان بِاللَّهِ. 
(إِنِ ارْتَبْتُمْ) يعنى هذا القسم يكون إِنِ ارْتَبْتُمْ، يعنى إِنِ شككتم في صدقهما.  
اذن لو قبل الورثة الوصية من الشاهدين الغير مسلمين، ينتهي الأمر عند هذا الحد، أما اذا شك الورثة في صدق الشاهدين، فيوقفا بعد الصلاة ويقسمان بالله على أنهما صادقين.
يقول تعالى
(لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ)
هذه هي الصيغة التي تقال بعد القسم لتأكيد القسم:
يقول تعالى
(لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا) يعنى لا نأخذ مقابل الحنث في اليمين (ثَمَنًا) أي عرض من عروض الدنيا. 
(وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) يعنى حتى لو كان من نقسم له قريبًا لنا. 
(وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) وَلَا نَكْتُمُ الشَهَادَةَ، وقد أضاف الله تعالى الشهادة له تعالى، لتعظيم الشهادة في نفس الحالف. 
(إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ) يعنى اذا كتمنا الشهادة نكون من الْآَثِمِينَ، أي المذنبين. 
وكل هذا تأكيد وتغليظ للقسم، وهذا القسم اذا كان الشاهدين غير مسلمين، أما اذا كان الشاهدين مسلمين فلا يطلب منهما القسم.

        

معنى الآية: في حالة الاقامة يشهد على الوصية رجلان مسلمان، أما في حالة السفر، وشعر المسافر بقرب الموت، ولا يوجد رجلان مسلمان فيشهد على الوصية رجلان غير مسلمان، فاذا شككتم في صدق الشاهدين، فيؤتي بهما بعد صلاة العصر ويقسمان بالله على أنهما صادقين، ثم يقولا بعد القسم (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ)

        
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) 
يعنى اذا اكْتُشِّفَ أو عُلَّمَ أو ظهر بعد تحليف الشاهدين، أنهما قد كَذَبَا أو خَانَا أو أخفيا شيئاً من المال، كما في قصة سبب نزول الآية.
(فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) فيأتي رجلان آخران يقومان مقام الشاهدين في اليمين.  
(مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) يعنى هذان الرجلان يكونا من أولياء الميت الوارثين له
وقوله تعالى
(مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) يعنى مِنَ الَّذِينَ وقع عليهم الكذب والخيانة.
يعنى: اذا ظهر أن الشاهدين قد كَذَبَا أو كتما شيئاً من المال، فيحلف رجلان من أولياء الميت الوارثين له أن الشاهدين قد كذبا

(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) 
هذان الرجلان من ورثة الميت، يقسمان بِاللَّهِ أن شَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَة الرجلين الآخرين.
(وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) يعنى مَا اعْتَدَيْنَا على هذين الشاهدين، في اننا اتهمناهما بالكذب أو الخيانة.
(إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) يعنى نكون من الظَّالِمِينَ اذا اعتدينا عليهما.

        
الخلاصة 
اذا ظهر أن الشاهدين قد كَذَبَا أو كتما شيئاً من المال، فيحلف رجلان من أولياء الميت الوارثين له، أن الشاهدين قد كذبا، ويقسمان أن شَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتهما (وَمَا اعْتَدَيْنَا) يعنى لم نتهمهما زورًا، إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.

        
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) ذَلِكَ: أي هذا التشريع (أَدْنَى) يعنى أقرب وأجدر وأحري
(أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) أن يؤدى الشهداء الغير مسلمين الشهادة على وجهها الصحيح، لأنهم سيحلفون بالله وبصيغ فيها تغليظ اليمين
 (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أَوْ يَخَافُوا الشهداء بعد أن يحلفوا أن يرد اليمين الى الورثة، فيظهر كذبهم ويفضحوا على رؤوس الأشهاد 
المعنى: هذا التشريع أجدر وأحري أن يؤدى الشهداء الغير مسلمين الشهادة على وجهها الصحيح، محافظة على حلفهم بالله، أو خوفًا من الفضيحة ، اذا حلف الورثة على كذبهم، وظهرت خيانتهم أمام الناس.

(وَاتَّقُوا اللَّهَ) واتقوا الله في الشهادة وفي الأمانة وفي معاملتكم المالية.
(وَاسْمَعُوا) واسمعوا ما تؤمرون به سماع إذعان وقبول وطاعة 
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) يعنى وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْخائنين.

        

الخلاصة أن هذه الآيات الثلاثة تناولت أمر كان يتعرض له كثير من العرب، لأن العرب –كما ذكرنا- كانت حرفتهم الأساسية هي التجارة، وذلك لموقع الجزيرة العربية بين دول العالم القديم، ولذلك فقد كان الرجل العربي كثير السفر للتجارة، وربما يقضى في السفر خارج قبيلته أكثر مما يقضيه في قبيلته، وربما يتعرض للموت أثناء السفر بسبب المرض أو غير ذلك. 
فحثت الآية المسلم –بصفة العامة- الى أن يوصي، وأن يُشْهِد على وصيته اثنين من المسلمين، فاذا كان مسافرًا وشعر باقتراب أجله، ولم يكن معه مسلمين فيشهد على وصيته اثنين من غير المسلمين. 
فاذا شك الورثة في صدق الشاهدين، فيؤتي بهما بعد الصلاة ويقسمان بالله أنهما صادقين في شهادتهما، وأن يقولا بعد القسم (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ)
فاذا ظهر بعد ذلك ما يدل على أن الشاهدين قد كذبا أو خانا، يأتي رجلان من ورثة الميت ويحلفان أن شهادتهما أصدق من شهادة الرجلين، فاذا فعلا ذلك يغرم الشاهدين ما ظهر من الكذب أو الخيانة.

        

هذه الآيات الكريمة التي تناولت بهذه الدقة الشديدة ما يحفظ لجميع ما يحيط بالمسلم من حقوق اذا مات وهو في سفر، يدل على اهتمام الشريعة الشديد بحفظ الحقوق، واهتمام الشريعة بحفظ المال، فحفظ المال هو أحد مقاصد الشريعة الخمسة، لأن به قوام الحياة، فالحمد لله على نعمة الاسلام، وكفي بالإسلام نعمة.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇