Untitled Document

عدد المشاهدات : 230

الحلقة (355) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (59) و (60) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (355)
تدبر الآيتين (59) و (60) من سورة "المائدة" (ص 118)

        

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) 
        

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)
ذُكِرَ في سبب نزول هذه الآية الكريمة أن نفرًا من اليهود جاءوا الى الرسول ﷺ وسألوه عن الاسلام وعن ما يؤمن به ؟ فقال ﷺ "أُوْمِنُ بـاللّهِ وَما أُنْزِلَ إلَـيْنا، وَما أُنْزِلَ إلـى إبْرَاهِيـمَ وإسْماعِيـلَ وإسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبـاطِ، وَما أُوتِـيَ مُوسَى وَعِيسَى، وَما أُوتِـيَ النَّبِـيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرّق بـينَ أحَدٍ مِنْهُمْ ونَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ " فلـما ذكر عيسى –عليه السلام- قالوا: لا نعلم ديناً شراً من دينكم، وقد قالوا ذلك كراهية وبغضاً لعيسى عليه السلام، فأنزل الله تعالى فـيهم: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ)
        

 (قُلْ) يا محمد (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) وهم اليهود والنصاري 
(هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا) يعنى هل تكرهون منا وتنكرون منا. 
(إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ)
(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) وهو القرآن العظيم 
(وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ) أي وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ القرآن الكريم من كتب سماوية كالتوراة والانجيل والزبور وغيرهم .
        

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ)
وهذا الاستفهام في الآية للتوبيخ والإنكار والتعجب من حالهم، ونحن نستخدم هذا الاسلوب في الأداء، كما نقول: أنت غاضب منى لأني أقول الحقيقة ؟ أو: أنت غاضب منى لأني لم أكذب عليك ؟ أنتم غاضبون منى لأني لا أقبل الرشوة ؟ وهكذا 
ويطلق على هذا الأسلوب من أساليب الأداء اللغوي: تأكيد المدح بما يشبه الذم.

        

(وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ)
يعنى أنتم تكرهون منا هذا الإيمان لأن أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أي خارجون من دائرة الحق الى الباطل.
وأصل كلمة الفسق هو الخروج على وجه الإفساد، فكانت العرب تقول فسقت الرطبة يعنى خرجت من قشرتها، لأنها اذا خرجت من قشرتها تفسد، وسميت الفأرة فويسقة، لأنها تخرج من جحرها على سبيل الإفساد.

        

(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)
(قُلْ) يعنى قُلْ لهم يا محمد، وهم اليهود المخاطبون بهذه الآيات.
(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ) يعنى هَلْ أُخبركم.
(بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ)  
(بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ) يعنى بِشَرٍّ مِنْ الإيمان بالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ.
سؤال: وهل الإيمان بالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ (شر) حتى نقول (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ) ؟
نقول هذا من باب ما يطلق عليه في اللغة: استعمال أفعل التفضيل في غير بابه، كما في قوله تعالى (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا) مع أن أصحاب النار ليسوا في خير.
أو أن هذا ما يطلق عليه في اللغة أسلوب المشاكلة، أو مجاراة الخصم، يعنى أنتم قلتم (لا نعلم ديناً شراً من دينكم) فهب أنناعلى شر، لن نناقش في هذه القضية، سنفترض جدلًا أننا على شر، فسأخبركم من هم أشر منا وهم:
 (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ... الى آخر الآية)

        

وقوله تعالى (مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) أي جزاءً عِنْدَ اللَّهِ تعالى، واستخدم لفظ "مَثُوبَةً" والتي تستعمل في الخير للتهكم عليهم.
كما في قوله تعالى (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)

        

اذن المعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين يعيبون عليكم الايمان بالله وحده، والايمان بالقرآن العظيم، والايمان بالكتب السماوية السابقة، وقالوا: لا نعلم ديناً شراً من دينكم، قل لهم على سبيل التبكيت والتهكم عليهم: هل أخبركم بشر من ذلك الايمان عقوبة عند الله يوم القيامة ؟ ثم ذكر تعالى لهم أربعة أوصاف، فقال تعالى 
(مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)
        

(مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) يعنى من أبعده الله وطرده من رحمته. 
(وَغَضِبَ عَلَيْهِ)  
هناك فرق بين الطرد من رحمة الله، وغضب الله.
مثال: عندك عامل، وأهمل في عمله، ثم طردته من العمل، هذا هو الطرد.. يمكن أن تزيد على ذلك بأن تعلن في السوق أن هذا العامل مهمل، فهذا يعنى أنك تلاحقه بغضبك بعد أن تطرده من العمل.
ولله المثل الأعلى، فالله –سبحانه وتعالى- لعنهم وطردهم من رحمته، ثم بعد أن طردهم لاحقهم بغضبه وسخطه عليهم.

        

(وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ)  
أي مسخهم قردة وخنازير، وقصة المسخ الى قردة ذكرت في سورة البقرة، وسورة الأعراف، حين كثر المعاصي في أحد قري بنى اسرائيل، وكان ذلك في زمن بنى الله داود، وكانت القرية مطلة على البحر، ويعيش أهلها على صيد الأسماك، فعاقبهم الله بأن لا تأتيهم الأسماك طوال أيام الأسبوع، فاذا كان يوم السبت وهو اليوم الذي يحرم عليهم العمل فيه، جائت الأسماك ظاهرة على وجه البحر، فتحايلوا على أمر الله تعالى، فكانوا ينصبون شراكهم يوم الجمعة، ثم تأتي الأسماك فتدخل في هذه الشراك يوم السبت، فاذا كان يوم الأحد أخذوها، فعاقبهم الله تعالى على تحايلهم على شرعه تعالى بأنهم مسخهم الى قردة.
        

أما قصة المسخ الى خنازير، فقيل أن هؤلاء هم الذين كفروا من النصاري بعد أن أنزل الله على عيسي –عليه اسلام- مائدة من السماء.
وقيل أن كلا المسخين كانوا من أصحاب السبت، فمسخ شبانهم قردة، ومسخ شيوخهم خنازير.
وذكرت بعض كتب التفاسير أن المسخ الى خنازير كان لطائفة أخري من بنى اسرائيل، والقصة أن أحد ملوكهم في مدينة من مدنهم قد كفر، وكفر معه أهل مملكته، ولم يبقي الا عدد قليل منهم على الايمان، فدعت امرأة منهم هؤلاء المؤمنين الى قتال هذا الملك، فأجابوها وخرجوا معها، فهزمهم الملك، ثم دعتهم مرة أخري فأجابوها، فهزمهم الملك، ثم دعتهم مرة ثالثة فهزمهم الملك، فيئست المرأة وباتت مهمومة، فلما أصبحت، وجدت أهل تلك المدينة قد مسخوا خنازير، يقول أبو أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل خنازير إلا على يدي تلك المرأة

        

 وليس معنى هذا أن القردة والخنازير الموجودون الآن هم من نسل هذه الطوائف من بنى اسرائيل، لأن الرسول قال (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا)


        

 (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) أي وَجَعَلَ مِنْهُمُ من عَبَدَ الطَّاغُوتَ. 
والطاغوت من الكلمات التى تكررت في القرآن، والتى يختلف معناها بحسب الموضع الذي جائت فيه، وهي كلمة مشتقة من الطغيان، وهو مجاوزة الحد.
ومعنى (الطَّاغُوتَ) هنا هو الشيطان 
فقوله تعالى (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) أي عبدوا الشيطان لأنهم بلغوا الغاية في طاعة الشيطان، حتى كأنهم عبدوا الشيطان. 
وفيها الإشارة الى عبادتهم العجل، بعد أن ذهب موسي لميقات ربه، لأن عبادتهم العجل كانت القمة في طاعة للشيطان

        

(أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)
يعنى هؤلاء في أشر مكان، يقول ابن عباس: لأن مكانهم سقر، ولا مكان أشد شراً منه. 
(وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)
(سَوَاءِ السَّبِيلِ) يعنى وسط الطريق.
والمعنى هم في أبعد مكان عن الصراط المستقيم الموصل إلى الجنة.


       

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇