Untitled Document

عدد المشاهدات : 314

الحلقة (344) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (33) و (34) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (344)
تدبر الآيتين (33) و (34) من سورة "المائدة" (ص 113)

        
(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)
        

الآية الأولى لها مناسبة نزول فهي نزلت في قوم من قبيلة "عرينة" و"عُكْل" قيل أن عددهم سبعة: أربعة من "عرينة" وثلاثة من "عُكْل" جاءوا الى المدينة وهم: صفر الوجوه ، مهزولي الأجسام من الجوع، حفاة ، يلبسون ثيابًا مهلهلة، فأسلموا أو أنهم ادعوا الاسلام، و أقاموا في المدينة، ثم جاءوا الى الرَسُول ﷺ وقالوا له: يا رسول الله نحن أهل ضرع، وانا استوخمنا المدينة، يعنى نحن أهل بدو، وثقل علينا  الاقامة في المدينة، فأمر لهم الرسول ﷺ بطعام وأمرهم أن يخرجوا الى البادية، وأن يشربوا من ألبان ابل الصدقة، ففعلوا، فلما صحوا وسمنوا واشتدت أجسادهم، قتلوا الراعي، ومثلوا بجثته، وسملوا عينيه، ثم استاقوا الإبل وانطلقوا الى أرض قومهم، فأمر الرَسُول ﷺ فخرج خيل المسلمون يطاردونهم فأدركوهم قبل أن يصلوا الى قومهم، ثم عادوا بهم الى المدينة.
وأراد الرَسُول ﷺ أن يقتص منهم، وأن يفعل بهم كما فعلوا بالراعي، فيقتلهم ويسمل أعينهم، ويمثل بجثثهم، ولكن في أثناء عودتهم الى المدينة، نزلت هذه الآية الكريمة، وبين الله تعالى للرسول ﷺ حكم الله في هؤلاء المجرمون.
يقول تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
وهذه الآية يطلق عليها آية الحرابة
يقول تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
(إِنَّمَا) للحصر، يعنى من يحارب الله ورسوله ليس له الا هذا الجزاء
(وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) أي يكثرون من الفاسد في الأرض، لأن السعي هو الحركة السريعة المستمرة.
وقوله تعالى (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) هو توضيح لقوله (يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي أن: الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هم الذين يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.
وهو ما يطلق عليه في الاصطلاح الفقهي "المُحَارِب" ولذلك هذه الآية يطلق عليها "آية الحرابة" والحد الذي تتناوله يطلق عليه "حد الحرابة"
والمُحَارِب: هو الذي يستخدم السلاح أو يستخدم قوته البدنية في الاعتداء على الناس، أو على اموالهم أو على أعراضهم.
وهو ما يطلق عليه الآن في قانون العقوبات "أعمال البلطجة" 
وهو يختلف عن السرقة، لأن السرقة هي أخذ الأموال خلسة، أما الحرابة فتكون أخذ الأموال جهارًا وقهرًا.
ولذلك فان عقوبة السرقة هي قطع اليد، أما عقوبة الحرابة فهي –أغلظ- قطع اليد والرجل.
والسرقة لها نصاب وهو ربع دينار ذهب أما الحرابة فليس لها نصاب.
يعنى في حالة السرقة يشترط لإقامة حد السرقة وهو قطع اليد، أن يبلغ المبلغ المسروق ربع دينار ذهب –وهو ما يعادل حوالى 50 دولار أمريكي- أما في حالة الحرابة فأي مبلغ –مهما قل- يتم الاستيلاء عليه بالقوة يطبق عليه حد الحرابة.

        

يقول تعالى (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)
لم يقل تعالى: يقتل أو يصلب أو تقطع.
وانما قال تعالى (يُقَتَّلُوا) (يُصَلَّبُوا) (تُقَطَّعَ) وهذا للمبالغة.
يعنى لا رحمة بهؤلاء لأنهم لا يستحقون الرحمة
وهذا مثل قوله تعالى (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) يعنى يكثرون من الذبح بلا هوادة

        

ذكرت الآية أربعة عقوبات:
(أَنْ يُقَتَّلُوا) والقتل يكون اما بالسيف، أو بنفس الطريقة التي نفذ بها القاتل جريمته، وقال بعض المتأخرين يجوز بأي طريقة أخري مثل الشنق أو الرمي بالرصاص، ولكن الراجح أن القتل يكون بنفس الطريقة التي نفذ بها القاتل جريمته.

        

(أَوْ يُصَلَّبُوا) 
الصلب لا يكون بدق مسامير في اليدين كما كان يفعل الرومان قديمًا، ولكن يكون بربط اليدين والقدمين على الصليب، وأن يرفع هذا الصليب الى مكان عال، حتى يراهم الناس ويكون عبرة وردعًا لغيره.
واختلف الفقهاء في الصلب في هذا الحد، هل يكون قبل القتل أم بعده ؟ على قولين:
القول الأول: 
مذهب الحنفية والمالكية، أنه يصلب حيا ، لمدة يوم أو ثلاثة أيام ، ثم يقتل وهو مصلوب بحربة .
القول الثاني:
ألا يصلب حيًا، وانما يُقتَل ثم يُصلب، وهو مذهب الشافعية والحنابلة ، وقال به بعض الحنفية والمالكية .

        

(أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) 
(مِنْ خِلَافٍ) يعنى تقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسري.
وقطع اليد يكون من منطقة الساعد، أما قطع الرجل فيكون بقطع كف القدم أو مشط القدم  ولكن لا يقطع العقب أي الكعب

        

(أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) النفي لغة هو الابعاد.
واختلف المفسرون والفقهاء في المقصود بالنفي.
فقال البعض أن المقصود بالنفي هو ان يظل هذا المجرم المحارب يطارد حتى ينفذ فيه حكم من هذه الأحكام وهي القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف.
وقيل النفي هو أن يخرج من بلده التي هو فيها الى بلد آخر، لأنه اذا خرج من بلده الى بلد آخر فانه لا يجد له أعوانًا على الشر، ولأن الغريب يكون أضعف منه وهو في بلده.
وقال البعض أنه يخرج من بلاد المسلمين الى بلاد غير المسلمين.
وقال أبو حنيفة وأصحابه أن المقصود بالنفي هو السجن.

        

وهذه العقوبات الأربعة اما على سبيل التخيير لولى الأمر أو القاضي، أو أن المحارب يكون عليه أحد هذه العقوبات على قدر الجريمة التي ارتكبها.
فمن قتل ولم يأخذ مالًا فانه يقتل بنفس الطريقة التي قتل بها.
ومن قتل وأخذ مالًا فانه يصلب.
ومن أخذ مالًا جهارًا وقهرًا فتقطع يده ورجله من خلاف فيكون قطع اليد للسرقة، وقطع القدم لقطعه الطريق.
إن أخاف السبـيـل ولـم يقتُل ولـم يأخذ الـمال: نُفـي، يعنى يسجن على رأي أبو حنيفة.

        

(ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
(ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا) 
أي أن هذه العقوبات ذل وعار وفضيحة لهم في الدنيا، لأن هؤلاء المحاربون كانوا يقهرون الناس ويذلوهم بقوة السلاح أو بسبب تفوقهم الجسدي عليهم، فيكون عقابهم -حتى يسود العدل والأمن والأمان والطمأنينة في المجتمع-أن تذل أنوفهم ويهتلك سترهم فيكونون عبرة لغيرهم 
(وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
يعنى ليست هذه العقوبة تكفير عن جريمتهم ولكن ينتظرهم يوم القيامة عَذَابٌ عَظِيمٌ.

        

هذه الآية وهي آية الحرابة، وهذا الحد من حدود الاسلام وهو حد الحرابة، من أهم الحدود، ولو طبق هذا الحد لانتشر الأمن والأمان في المجتمع.
أحد المجرمون خطب فتاة ثم فسخت الخطبة، فقال لها هذا المجرم "مش حخليكي تنفعي لغيري"وقامبإلقاء ما نطلق عليه في مصر "ماء النار" وهو حمض الكبريتيك المركز، على وجهها وجسدها، وكانت النتيجة ان فقدت أحد عينيها وتشوه وجهها، وخضعت لأكثر من عشرين عملية تجميل، ثم عوقب المجرم بالسجن ثلاثة سنوات.
وعندما أصدر القاضي حكمه أخذت هذه الفتاة تصرخ، وثالت عندما سمعت الحكم شعرت أن ماء النار ألقي على وجهي مرة أخري.
في بنجلادش عندما رفعوا العقوبة على هذه الجرائم الى السجن 50 سنة، انخفضت أعداد هذه الجرائم انخفاضًا كبيرًا، ولكن لو طبق حد الحرابة ، أو القصاص ، أتحدي أن تنعدم أو على الأقل تندر جدًا هذه الجرائم 

        

في الجزائر قام أحد المجرمون باغتصاب فتاة عمرها 16 عام اسمها "شيماء سدو"، فأبلغت الشرطة وتم القبض على المتهم وحكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات، فلما خرج من السجن، اختطفها واغتصبها مرة أخري، وأخذ يعذبها ، ثم ذبحها واحرق جثتها.
من المسئول عن هذه البشاعة ؟ السلطة التشريعية في الجزائر هي المسئولة عن هذه البشاعة، وسيعاقبهم الله على ذلك.

        

ولذلك قلنا أن بداية الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقلنا أن (إِنَّمَا) للحصر، يعنى من يحارب الله ورسوله ليس له الا هذا الجزاء


        

(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)
قال بعض المفسرون أن الآية خاصة بالمشركين الذين يحاربون المسلمين، فمن تاب منهم ودخل في الاسلام، فان الاسلام يجب ما قبله ولا يقام عليه الحد فيما أصاب قبل الاسلام.
أما بالنسبة للمسلم فان الآية تعطي لولى الأمر أن يعفو عن المحارب اذا كان في ذلك مصلحة للأمة.
مثال: مجموعة خارجة عن القانون تحمل السلاح وتروع المواطنين ويسكنون في الجبل ولا تستطيع قوات الشرطة القبض عليهم، فيمكن لولى الأمر أن يصدر قرارًا بالعفو عنهم في مقابل اعلانهم التوبة وتسليمهم أسلحتهم

 

شاهد جميع حلقات "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" وحلقات "أسرار السيرة الشريفة" وغيرها في الموقع الرسمي "وائل فوزي"

http://www.waelfawzy.com/index.php

❇        

رابط القناة على اليوتيوب

https://youtube.com/c/WaelFawzy

❇