Untitled Document

عدد المشاهدات : 316

الحلقة (339) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (15) و(16) من سورة "المائدة" قول الله -تَعَالي- (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا

تَدَبُر القُرْآن العَظِيم
الحلقة (339)
تدبر الآيتين (15) و(16) من سورة "المائدة" (ص 110)

        

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) 
        

قيل أن هاتين الآيتين هما أول من نزل من سورة المائدة، ثم استمر نزول سورة المائدة عدة سنوات، حتى كانت آخر أية في يوم عرفة في حجة الوداع.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ( النداء لليهود والنصاري، فاليهود أهل كتاب لأن عندهم التوراة، والنصاري أهل كتاب لأن عندهم الانجيل
والنداء بيا أهل الكتاب يعنى أنتم أهل كتاب وأهل علم فلا يليق بكم أن تنكروا بعثة الرسول ﷺ
كما تقول لأحد أنت راجل متعلم، لا يصح أن تعمل كذا، لا يصح أن تتصرف هكذا
(قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا) وهو محمد ﷺ
وقد أضافه تعالى إلى نفسه؛ فقال تعالى (رَسُولُنَا) تشريفًا وتكريمًا للرسولﷺ

        

(يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) يعني يظهر لَكُمْ الرسول ﷺ الكثيرمن الأحكام الموجودة في التوراة والانجيل، والتي أخفاها الرهبان والأحبار عن العامة.
وهذا مثل الحكم برجم الزاني المحصن، وتحريم الخمر، وأكل الربا، واخفاء الحكم دليل على الرغبة في مقارفته.
فلما بين لهم الرسول ﷺهذه الأحكام التي يخفونها كان ذلك دليلًا على صدق نبوته ﷺلأنها أحكام لا يعرفها عامة اليهود، وانما يعرفها فقط كبار أحبارهم ورهبانهم، والرسول ﷺ رجل أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم يجلس لا الى عالم ولا الى حبر ولا الى راهب.

        

(وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) يعنى كما أن الرسول ﷺ بين كثيرًا من الأحكام التي تكتمونها، فانهﷺ لم يظهر كثيرًا من الأحكام التي تكتمونها، وذلك لتعلموا أن الرسول ﷺ لم يظهر ما أظهره بهدف الفضيحة لكم، ولكن لأن هناك مصلحة لإظهاره، وحتى يكون ذلك دليلًا جديدًا لكم على صدق نبوته ﷺ
        

وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، جاء رجل من أحبار اليهود الى الرسول ﷺ وقال له: ما هذا الذي عفوت عنه يا محمد ؟ وكان هدفه من هذا السؤال الخبيث، أن يظهر تناقض الرسول ﷺ مع القرآن، لأن الرسول ﷺ اذا قال أنه عفا عن كذا وكذا، فان هذا يناقض قوله تعالى (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فلما قال اليهودي ذلك، أعرض عنه الرسول ﷺ ولم يرد عليه، فعاد اليهودي الى قومه وقال لهم: أرى أنه صادق فيما يقول.
        

وقوله تعالى (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) اشارة الى خلق رفيع من أخلاق الاسلام وهو خلق التغافل، وهو يعنى التجاهل عن الأمور التافهة والصغيرة من الزوجة والأولاد والأقارب والجيران والأصحاب وزملاء العمل.
التركيز على الأخطاء والهفوات يجعل الحياة صعبة، ويؤدي الى قطع الرحام وخراب البيوت وهجران الأصدقاء ، يقول الإمام أحمد بن حنبل "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل" 

        

(قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)
قال أهل العلم أن النور هو الاسلام وقال البعض هو القرآن وقال البعض أن النور هو الرسول ﷺ 
والمعنى واحد لأن وجه التشبيه بالنور أن النور يُهْتدي به ويُتَبين به حقيقة الأشياء ، والاسلام والقرآن والرسول ﷺنور نهتدي به ونتبين به الحقيقة. 

        

(الكِتَابٌ مُبِينٌ) هو القرآن العظيم، ووصف بأنه مبين، يعنى مبين في نفسه، مبين لغيره.
فهو مبين في نفسه يعنى واضح، ومبين لغيره، لأنه يبين الحق من الباطل، ويبين الحلال من الحرام.
قال بعض الصوفية: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)
يعنى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يفهمكم الكِتَابٌ.

        

(يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)
(يَهْدِي بِهِ اللَّهُ) أي يَهْدِي تعالى بالقرآن الكريم وبالرسول ﷺ
(مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ) أي مَنِ اتَّبَعَ ما يرضى الله -عز وجل- وذلك بفعل الطاعات واجتناب المنهيات.

        

(سُبُلَ السَّلَامِ)
(سُبُلَ) جمع سبيل وهو الطريق.
و(السَّلَامِ) هو الله، لأن السَّلَامِ هو اسم من أسماء الله تعالى، فسُبُلَ السَّلَامِ هو طريق الله.
أو أن (السَّلَامِ) هو السلامة، فسُبُلَ السَّلَامِ هو طريق السلامة والنجاة من عذاب الله
أو (سُبُلَ السَّلَامِ) هو الطريق الموصل الى "دار السَّلَامِ" وهو الجنة، قال تعالى (لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ)
والمعنى واحد لأن طريق الله هو طريق السلامة والنجاة، وهو الطريق الذي يوصل الى الجنة.

        

وقال تعالى (سُبُلَ السَّلَامِ) ولم يقل (سبيلَ السَّلَامِ) ؟
لأن الجنة لها عدة طرق، فالصلاة طريق يوصل الى الجنة، وكذلك الصدقة، والصيام، والحج والجهاد والبر وفعل الخيرات.

        

(وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي يُخْرِجُهُمْ من ظلمات الكفر الى نور الايمان، ومن ظلمات المعصية الى نور الطاعة.
(بِإِذْنِهِ) أي بتوفيقه وهدايته.
(وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) 
و(صِرَاطٍ) لها ثلاثة قراءات: (صِرَاطٍ) بالصاد و(سِرَاطٍ) بالسين و(زِرَاطٍ) صاد مشمومة زاي
و(صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يعنى طريق مُسْتَقِيمٍ.
ولكن الصراط طريق له مواصفات خاصة، فالعرب لا تقول على الطريق أنه صراط الا اذا جمع أمور ستة: أنه مستقيم، وأنه واسع، وأنه واضح، وأنه يوصل الى المقصود، وأنه لا يوصل الا الى المقصود، وأنه أقرب طريق للمقصود. 
والمعنى أن الله -تَعَالي- يَهْدِيهِمْ الى الطريق الذى يوصل إلى الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇