Untitled Document

عدد المشاهدات : 491

الحلقة (311) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (140) و (141) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة (311)
تدبر الآيتين (140) و (141) من سورة "النِسَاء" (ص 100)

        

(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) 
        

يقول تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) يعنى قد أنزل الله تعالى عَلَيْكُمْ –أيها المؤمنون- فِي الْكِتَابِ وهو القرآن العظيم.
ما الذي أنزله الله تعالى في الكتاب ؟
كان المشركون في مكة يخوضون في القرآن العظيم، ويستهزئون به، فنزل قول الله تعالى في سورة الأنعام الآية 68 (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يخوضوا في حديث غيره)
ثم ان أحبار اليهود في المدينة، بعد هجرة الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كانوا يفعلون فعل المشركين، فكانوا يستهزئون بآيات القرآن الكريم، وكان لهم أصدقاء من أهل المدينة، من المنافقين وضعيفي الايمان، يجالسونهم وهم يستهزئون بآيات القرآن الكريم فلا يعيبون عليهم ذلك، فقال تعالى
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) يعنى أنزل الله تعالى عَلَيْكُمْ –أيها المؤمنون- فِي الْكِتَابِ وهو القرآن العظيم، في سورة الأنعام، قوله تعالى (أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) 

(حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) يعنى حتى يتكلموا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بالقرآن.
ولم يأمرهم تعالى بالاعتزال عنهم اعتزالًا كاملًا، لأن المسلم دوره الأول هو الدعوة الى دين الله.

(إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) أي إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ في الكفر.
لأن القعود معهم يدل على الرضا بالكفر، والرضا بالكفر كفر.

(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا‏)
(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ) وهم الذين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود وهم يسخرون من القرآن.
(وَالْكَافِرِينَ) وهم أحبار اليهود وكفار مكة الذين كانوا يسخرون من القرآن.
(فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا‏) يعنى كما اجتمعوا على الاستهزاء بالقرآن، فانهم يجتمعون فِي جَهَنَّمَ على العذاب.
وقدم الله -تَعَالي- الْمُنَافِقِينَ على الْكَافِرِينَ لأن المنافق أكثر عقوبة من الكافر 

        

روي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخمر، فأقام عليهم الحد، فَقِيلَ له فِيهِمْ رَجُلٌ صَالِحٌ وهو صَائِمٌ، فَتَلا هذه الآية: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ)
وذكرها أبي حامد الغزالى في كتاب آفات اللسان، وقال "المغتابُ والمستمعُ شريكانِ في الإثمِ" واحتج بهذه الآية وقال (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ)
فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء 

        

(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)
يخبر- سُبْحَانَهُ- عن المنافقين فيقول- تعالى- (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) التربص هو الانتظار والترقب، فقوله تعالى (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ)  يعنى ينتظرون ويترقبون ما سيقع بالمؤمنين 
(فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) يعنى فَإِنْ حققتم نصرًا على أعدائكم.
(قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) يعنى لقد كنا مَعَكُمْ فَأَعْطُونَا نصيبًا من الغنائم.
(وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) يعنى واذا حقق الكافرين نصرًا على المؤمنين.
(قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) 
الاستحواذ هو الاستيلاء والتمكن من الشيء.
كما قال تعالى (استحوذ عليهم الشيطان) 
فقوله تعالى (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) يعنى قال هؤلاء المنافقون للكفار، ألم نكن قادرين على قتلكم في المعركة، ولكننا لم نفعل.
(وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعنى وكنا نمنع عنكم الْمُؤْمِنِينَ، بتخذيلنا لهم، واطلاعكم على أسرارهم.
والمعنى كان لنا دور في انتصاركم على المسلمين، فنريد نصيب من الغنائم.
وهذا الطمع من صفات المنافقين، فهم يريدون تحقيق المكاسب من كلا الفريقين، من المؤمنين والكفار في نفس الوقت
كما نقول نحن على الشخص المنافق، الذي ليس له مبدأ "يأكل على كل الموائد"
وعبر تعالى عن النصر بالنسبة للمؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح  طريق، وانتصارات مستمرة، أما انتصار الكافرين فهو أمر طاريء وليس بدائم.

(فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي أن الله -تَعَالي- سيحكم يَوْمَ الْقِيَامَةِ بين المؤمنين والمنافقين، فيثيب المؤمنين ويعاقب المنافقين، أما فى الدنيا فالمؤمنين والمنافقين سواء فى عصمة الأنفس والأموال


        

(وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)
يعنى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا أي علوًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سواء في الدنيا أو يوم القيامة
أولًا: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا يوم القيامة، وهذا التفسير مروي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يعنى لن يكون لهم حجة على المؤمنين يوم القيامة، لأن ربما يكون لهم حجة في الدنيا، كما نري الآن من سيطرة الماسونية على الاعلام، والصاق الارهاب بالمسلمين، ولكن يوم القيامة لن يكون لهم سبيل أو حجة على المؤمنين.

        

ثانيًا: لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا في الدنيا، يعنى لن تكون غلبة لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ في الدنيا، حتى وان حققوا انتصارًا على المسلمين، فيكون انتصارًا مؤقتًا بقدر تخلى المسلمين عن أوامر الله.
يقول تعالى في سورة الصافات (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) يعنى سبق في قدر الله (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (فاذا انتصر المسلمون فقد تحقق وعد الله لهم، أما اذا وقعت الهزيمة بالمسلمين فهناك خلل في شرط جنديتهم لله تعالى.
وهذا مثل ما حدث  المسلمين في الجزء الثاني من غزوة أحد، عندما خالف الرماة أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والجزء الأول من عزوة حنين، عندما قال المسلمون "لن نغلب اليوم من قلة"
ولذلك نحن نقول في الدعاء (اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا)

        

يقال انه بعد دخول التتار بغداد عاصمة الخلافة الاسلامية، وارتكبوا فظائع تقشعر لها الأبدان، كانت ابنه هولاكوو زعيمِ التتار تطوف في شوارع بغداد فرأت جمعاً من الناس يلتفـون على رجل شيخ، فسالت عنه فقيل لها أنه أحد علماء المسلمين، فامرت باحضاره فلما جائها قالت له:
ألستم تزعمون أيها المؤمنون أن الله يؤيدكم بنصره ؟
قال: بلى.
قالت: ألم ينصرنا الله عليكم ؟
قال: بلى.
قالت: أفلا يعنى أننا أحب الى الله منكم ؟
قال: لا
قالت: لم؟
قال: ألا يكون مع قطيع الغنم بعض الكلاب ؟ 
قالت: بلى
قال لها: فما عمل الكلاب في القطيع؟
قالت: يرسلها الراعي على الشاردة من غنمه.
قال: وان عادت الشاردة؟
قالت: يكف كلابه عنها
قال: فهذا شأننا وشأنكم, كلنا رعية الله, نحن غنمه وأنتم كلابه, فلما شردنا أرسلكم الله لنا حتى نرجع فإن رجعنا كف أيديكم عنا
.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇