Untitled Document

عدد المشاهدات : 594

الحلقة (304) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات من (122) الى (126) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة (304)
تدبر الآيات من (122) الى (126) من سورة "النِسَاء"(ص 98)

❇        

لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)
❇        

قيل في سبب نزول هذه الآية أن الْمُسْلِمِينَ واليهود افْتَخَرُوا، فَقَالَ اليهود‏:‏ نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ،فنحن خير منكم، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ‏:‏ بل نحن خير منكم، نَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وكِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ قَبْلَهُ‏، فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏ تعالى هذه الآية الكريمة 
(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) 
(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) وقرأت بِأَمَانِيكُمْ بدون تشديد
(وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) والأمنية هي ما يتطلع اليه الانسان دول عمل.
كما قال شوقي: وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
فاذا كان ذلك في الدنيا فهو كذلك في أمر الآخرة.
فأهل الكتاب من اليهود والنصاري، يقولون (لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ) ويقولون (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ولا يمكن أن يعذب الله تعالى ابناءه، وقالت اليهود (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) يعنى العصاة منهم أقصى فترة يمكثون فيها في النار، هي أربعين يومًا، وهي فترة عبادة أسلافهم للعجل، ولن يكون دخول النار كاملًا، هو فقط مجرد ان تمسهم النار، وكل هذه أوهام وأماني كاذبة.
وقوله تعالى (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ)المخاطب بها هم المسلمون، يعنى ليس بمجرد انتسابكم للإسلام تستحقون دخول الجنة، وعدم عقاب الله لكم على ذنوبكم.
بعض المسلمون لا يصلى ولا يصوم ولا يخرج زكاة ماله ولا يحج، ويرتكب من المحرمات ما يشاء، ويقول أنا مسلم سأدخل الجنة.
طبعًا مصيره تحت مشيئة الله تعالى، نحن لا نحكم على أحد، ولكن دخول الجنة لن يكون بالبطاقة، يعنى مكتوب في البطاقة أمام خانة الديانة: مسلم، ستظهر البطاقة للملائكة وتدخل من باب الجنة.
يقول الحسن البصري "ليس الإيمان بالتمنِّي، ولكن ما وقَر في القلب وصدّقه العمل"
ويقول أيضًا "إِنَّ قَوْمًا غَرَّتْهُمُ الْمَغْفِرَةُ فَخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَهُمْ مَمْلُوءُونَ بِالذُّنُوبِ، وَلَوْ صَدَقُوا لَأَحْسَنُوا الْعَمَلَ"

❇        

ثم يقول تعالى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)
(مَنْ يَعْمَلْ) أي أحد(سُوءًا) أي سوء(يُجْزَ بِهِ) سيعاقب عليه، (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي من عذاب الله (وَلِيًّا) من يتولى أمره (وَلَا نَصِيرًا) أي ينصره وينقذه من العذاب.
وهذه اشارة الى أن الأنبياء الذين يتفاخرون بهم وينتصرون بهم، لن ينصروهم ولن ينقذوهم من العذاب اذا حل بهم، طالما أنهم غير متبعين لمنهج هذا النبي
بدليل أن هناك أقوام تطردهم الملائكة عن حوض النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يوم القيامة فيقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فيقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سُحْقًا، سُحْقًا، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي

❇        

وهذه الآية عندما نزلت شقت جدًا على الصحابة، لأن معناها أن أي ذنب ترتكبه ستعاقب عليه. 
أخرج الترمذي وغيره عن أبى بكر الصديق قال: كنت عند النبي-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فنزلت هذه الآية (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) فقال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت على؟ فقلت: بلى يا رسول الله، يقول: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أنى وجدت انفصاما في ظهرى، فقال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مالك يا أبا بكر؟ قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء، فقال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله -تعالى- ليس عليكم ذنوب.
وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال : "لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال : سددوا وقاربوا فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها "
اذن كل ما يصيب المؤمن في الدنيا من مرض أو هم أو مصيبة فان الله تعالى سيكفر بها من خطايا العبد أو يرفع بها درجته.

❇        

(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)
قوله تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) يعنى ليس هناك فرق في الجزاء بين الذكر والأنثى.
لأن الخطاب في أكثر آيات القرآن بصيغة المذكر، فقد يتوهم أحد أن هناك فرق في التكليف أو في الجزاء بين الذكر والأنثى، ولذلك قال تعالى (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)

❇        

ولم يقل تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ الصَّالِحَاتِ) لأن ذلك يعنى أن المطلوب أن تعمل كل الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ،وانما قال (مِنَ الصَّالِحَاتِ) و(مِنَ) تدل على التبعيض يعنى بعض الصالحات، أو مَا تطيقه من الأعمال الصالحة.
❇        

(وَهُوَ مُؤْمِنٌ) شرط قبول الأعمال الصالحة هو الإيمان.
لأنك اذا كنت لم تعمل هذا العمل لوجه الله، فكيف تطلب منه جزاء على هذا العمل.
وقيل في سبب نزول الآية أنه لما نزل قول الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب من يعمل سوءا يُجْزَ بِهِ) قالتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ)
وقيل أنها نزلت لأن المشركين تفاخروا بخدمتهم للكعبة، وإطعام الحجيج وقري الأضياف، فبين تعالى أن هذه الأعمال لا تقبل بدون الإيمان.
كما قال تعالى في سورة الفرقان (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا)
قال العلماء في الأعمال الصالحة لغير المسلم، إما أن يجازي بها في الدنيا، أو يخفف بها عنه العذاب يوم القيامة.

❇        

(فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) 
النقير هو النقرة التي تكون في ظهر النواة. ومنها تنبت النخلة
والمعنى أنهم لَا يُظْلَمُونَ ولو شيئًا يسيرًا 

❇        

(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) 
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا) يعنى ليس هناك أَحْسَنُ دِينًا، وهذا يطلق عليه استفهام تقريري.
(مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) يعنى استسلم وخضع وأخلص لله تعالي.
وهذا تأكيد على ما جاء في الآيتين السابقتين، أن الاسلام عقيدة وعمل، العقيدة في قوله تعالى (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) والعمل (وَهُوَ مُحْسِنٌ)
(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وقرأت (إِبْرَاهِامَ) وهذا في جميع القرآن، أي واتبع دين إِبْرَاهِيمَ وعقيدة إِبْرَاهِيمَ، وعقيدة إِبْرَاهِيمَ هي توحيد الله تعالى.
وكلمة (حَنِيفًا) الحنيف هو المائل، فسمي دين إِبْرَاهِيمَ حنيفًا، لأن قومه كانوا مشركين، فمال إِبْرَاهِيمَ من الشرك ومن جميع الأديان الى توحيد الله تعالى.
وقد ذكر تعالى (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) لأن إِبْرَاهِيمَ معظم عند الجميع، سواء يهود أو نصاري، أو حتى المشركين، فلم يكن المشركون يفتخرون بشيء أكثر من افتخارهم بانتسابهم الى ابيهم ابراهيم

❇        

(وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)
والخلة هي درجة فوق المحبة، لأن الحب يعنى امتلاك حبة القلب، أما الخلة فالمعنى أن المحبة تخللت شغاف القلب.
فالإنسان ممكن أن يحب ألف شخص، ولكن لا يمكن أن يكون له الا خليل واحد، لأن الخليل لا يدع مكانًا لغيره، ولذلك قال الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا"
ويقول الرسول في الصحيح "إنَّ اللهَ اتَّخَذني خليلًا كما اتَّخَذ إبراهيمَ خليلًا"
اذن فدرجة الخلة ليست ثابت الا لاثنين فقط، وهما الرسول –صلى الله عليه وسلم- وابراهيم –عليه السلام- أما باقي أنبياءه وأولياءه وعباده الصالحين فلهم المحبة، وقد ذكر تعالى أنه يحب عباده الصالحين والمحسنين والمتقين والصابرين.
 عن ابن عباس رضي الله عنهما:
كان إبراهيم عليه السلام أبا الضيفان ، وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس، فأصاب الناس جدب شديد، فكان الناس يتجمعون الى باب ابراهيم حعليه السلام-   يطلبون الطعام، وكان هناك طعام يأتي الى ابراهيم كل عام من خليل أو صديق له بمصر،  فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله الذي بمصر، فقال خليله لغلمانه: قد أصابنا ما أصاب الناس من الشدة ، فرجع رسل إبراهيم عليه السلام، فقال غلمانه في الطريق، لو ملأنا هذه الأوعية بالرمال فانا نستحي أن نمر بالناس وهي فارغة، ثم أتوا إبراهيم فاهتم بذلك، ثم غلبته عيناه ونام، ثم جاءت زوجته السيدة سارة وفتحت الأوعية فاذا بها أجود انواع الدقيق، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام ، فقال: يا سارة من أين هذا ؟قالت: من عند خليلك المصري، فقال: نعم هو من عند خليلي الله، فسمى خليل الله.

❇        

(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)
لما ذكر تعالى أنه قد اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، قد يتوهم أحد أن الله تعالى قد اتخذ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًالحاجته تعالى الى طاعته، فقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) يعنى الله تعالى لم يتخذ إِبْرَاهِيمَ خليلًا لحاجته له، ولا لحاجته لطاعته، فالله تعالى لا ينفعه طاعة المطيعين، كما لا تضره معصية العاصين، ولكن الله تعالى اتخذ  إِبْرَاهِيمَ خليلًا اكرامًا له –عليه السلام- 
(وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا)
أي أن الله تعالى محيط بعلمه لا يخفي عليه شيء، ومحيط بسمعه ومحيط ببصره ومحيط بقدرته ومحيط برحمته ومشيئته  ومحيط بعزته

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇