Untitled Document

عدد المشاهدات : 400

الحلقة (273) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم تدبر الآيتين (34) و(35) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الثالثة والسبعون بعد المائتين (ص 84)
تدبر الآيتين (34) و(35) من سورة "النِسَاء"
       

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)
       

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا(34)
قيل في سبب نزول هذه الآية أن"سعد بن الرَّبِيع" وهو من الأنصار لطم امرأته "حبيبة بِنْت زَيْد" فأتت أهلها فانطلق أبوها معها وشكا الى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقَالَ: "أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها."فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لتقتص من زوجها" فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، ثُمّ قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ارجعوا هَذَا جبريل قَدْ أتاني، ونزل قول الله تعالى (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ)
فقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا غَيْرَهُ، وَمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ"

       

يقول تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)
وكلمة (قَوَّامُونَ) صيغة مبالغة من القيام.
والمعنى أن الرجال مسئولون عن النِّسَاءِ، مشئولون عن شئونها، ومسئولون عما تقتضيه مصلحتها.
ولكن هل القوامة تعنى القيادة والرياسة ؟ نقول نعم قوامة الرجل تعنى أنه قائد ورئيس هذه المؤسسة وهو بيت الزوجية. 
طالما أنه مسئول فلابد أن يكون لديه سلطة، هل يمكن أن تقول لشخص أنك مسئول عن هذه الشركة دون أن تعطي له سلطة ؟!
لكن هذه القوامة وهذه القيادة لا تعنى القهر والاستبداد بالرأي، بل قوامة الرجل تكليف وليس تشريف، ونضرب مثالًا: اذا كنت ذاهبًا الى مكان مع صديق لك، وأنت تملك سيارة وهو يملك سيارة، فأيهما تفضل أن تذهب بسيارتك وأنت تقودها، أم يذهب هو بسيارته وتجلس أنت بجانبه ؟ لا شك أن كل واحد يريد أن يجلس مرتاحًا ويكون هناك من يقود السيارة بدلًا منه. 

       

قال تعالى (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) ولم يقل (الأزواج قَوَّامُونَ عَلَى الزوجات) اشارة الى أن القوامة تشمل مطلق الرجال ومطلق النساء، فالأب له قوامة على بناته، والأخ له قوامة على أخواته، في بعض البيوت يسحبون هذه القوامة من الأخ، وهذا خطأ
       

 ثم ذكر - سبحانه - سببين لهذه القوامة: السبب الأول (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) والسبب الثاني (بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)
السبب الأول (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)
 يعنى بسبب أن الرجال أفضل من النساء، وأكثر قدرة من النساء على قيادة الأسرة
السبب الثاني (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) أي وبسبب أن الرجل هو المسئول عن الانفاق على زوجته وعلى أسرته.

       

سؤال يتكرر كثيرًا: اذا كانت المرأة تعمل وتنفق مثل زوجها، أو كانت هي التي تنفق، ولا ينفق الرجل، هل تسقط قوامة الرجل ؟
نقول: اذا كان الرجل لا ينفق على زوجته، فمن حقها طلب الطلاق من زوجها، ولكن عدم انفاقه لا يسقط قوامته على زوجته، لأن الله تعالى ذكر سببين للقوامة فقال تعالى (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ولم يذكر سبب واحد وهو النفقة

       

ثم يبين تعالى أحوال النساء، ويبين كيفية التعامل مع كل صنف من اصناف النساء، فقسم تعالى النساء إلى قسمين: قسم صالحات، وقسم غير صالحات
فقال تعالى عن القسم الأول (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) 
(فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ) القنوت هي الطاعة، والمعنى أن الصَّالِحَاتُ من صفاتهن أنهن (قَانِتَاتٌ) أي خاضعات مطيعات لله تعالى، ومطيعات لأزواجهن.

       

ثم قال تعالى (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أي أن من صفاتهن أيضًا، أنهن حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ، أي حافظات لما يجب عليهن حفظه في حال غياب الزوج، فعندما يكون زوجها غير موجود فكأنه موجود، فتحافظ على نفسها من الفاحشة، وتحافظ على أولادها بحسن التربية، وتحافظ على أموال زوجها من التبذير، وتحافظ على ما بينها وبينه من أسرار.
عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال"خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ‏" ثم تلا الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذه الآية الكريمة .
ومن حفظها للغيب، ان تحفظ اسرار بيتها، وأسرار زوجها: كانت هناك فتاة تزوجت من تاجر غنى، ثم ضاق به الحال، حتى صار لا يطعمها الى الخشن من الطعام، فكانت المرأة اذا ذهبت الى بيت أهلها لا تطلب الا الرخيص من الطعام، وكانت اذا سألت  عن ذلك تقول أنها ملت من الطعام اللين الغالى الثمن، ثم جاء زوجها معها يومًا الى بيت أهلها، فجلس اليه أبوها وقال له ينصحه: يا بنى أخشوشنوا، وقلل من أكل اللحوم فان كثرة اللحوم يضر بالصحة، فلما عاد الزوج الى البيت قال لزوجته: سترك الله كما سترتينى.

       

وقوله تعالى (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) أي أن هذا الحفظ من الزوجة بسبب حفظ الله لها واعانته لها، فهو تعالى الذي جعلها كذلك.
كأن الله تعالى يذكرك بأنك اذا رزقت بزوجة صالحة تحسن عشرتها لك، وتحسن تبعلها لك، فهذه نعمة ينبغي أن تشكر الله عليها، لأن الله تعالى هو الذي صيرها لك كذلك، وكان يمكن أن يبتليك الله بزوجة سيئة العشرة، وكان من دعاء الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "وأعوذ بالله من زوجة تُشَيِّبُنِي قَبْلَ الْمَشِيبِ"

       

أيضًا (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) أي بِمَا حَفِظَ زوجها اللَّهُ، فالجزاء من جنس العمل، فاذا حفظ الزوج غيبة زوجته، حفظت الزوجة غيبة زوجها.
لذلك أغلب الخيانات الزوجية، تجدها من الجانبين وليس جانب واحد، فقلما تجد رجلًا مخلصًا لزوجته وزوجته تخونه.
من شعر الإمام الشافعي
إنَّ الزِّنا دَينٌ إذا أقرضتًه .......... كان الوفا مِن أهلِ بيتِك فاعلمِ
كان هناك رجل يعمل تاجرًا في السوق فجاءته امرأة واشترت منه شيئًا، وبينما كانت تعطيه النقود أمسك بيدها، فتركته المرأة ومضت.
فلما رجع الى بيته وجد امرأته متكدرة، فقال لها: ما الذي يكدرك ؟ 
فقالت له أن السقا الذي يأتي بالماء كل يوم، يضع قربته في الأناء كل يوم ويمضى، ولكن اليوم وهو يضع الماء أمسك بيدي، وكانت هذه هلى أول مرة يفعلها !
فقال الرجل : سبحان الله (دقة بدقة ولو زدنا لزاد السقا )

       

هذا هو القسم الأول من النساء، أما القسم الثاني فيقول تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا)
(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) أصل النشوز هو الارتفاع، فكانت العرب تقول أرض ناشز، وهي الأرض المرتفعة  في وسط الأرض المنبسطة، وكما نقول هذه النغمة نشاز، يعنى ارتفعت عن مستوي النغم الذي معها،  فالزوجة  الناشز هي التي تتعالى على طاعة زوجها 
فقوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) يعنى الزوجات اللَّاتِي تخافون عدم طاعتهن لأزواجهن وسوء عشرتهن

       

وقوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ) يعنى أن يبدأ الزوج بعلاج نشوز زوجته، وعلاج عيوبها بمجرد أن تظهر امارات هذه العيوب، فلا يتركها حتى تستشري وتشتد.
أغلب المشاكل الزوجية تكون بسبب أن أحد الطرفين صبر كثيرًا على الطرف الثاني، ولم يبادر الى محاولة الاصلاح بمجرد ظهور المشكلة.

       

(فَعِظُوهُنَّ) 
أي يتحدث معها عن تقصيرها معه، ويذكرها بالثواب العظيم لطاعة الزوج، وسوء عاقبة النشوز ومعصية الزوج، وقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها".
ويستمع اليها، فربما هناك أمور تضايقها منه.
والموعظة لا تكون لمرة واحدة، بل يكررها، كما قال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)
ونلاحظ أن الله تعالى لم يقل فانصحوهن، وانما قال (فَعِظُوهُنَّ) لأن الموعظة تعنى النصيحة بتودد، يقول تعالي حكاية عن لقمان (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)

       

(وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)
يعنى ان لم تنفع الموعظة، فيلجأ للخطوة التالية وهي الهجر في المضجع، والمضجع هو مكان النوم، لأنه المكان الذي يضطجع فيه الانسان.
وقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) يعنى هذا الهجر اما أن ينام الزوج في مكان آخر بعيدًا عنها ولكن داخل المنزل، أو أن ينام معها في نفس الفراش ولكن يوليها ظهره ويترك جماعها. 
وهذا التوجيه القرآني بألا يكون الهجران خارج البيت، لسببين: أولًا–كما يقولون- "البعد جفا" وثانيًا: حتى يكون هذا الخلاف محصورًا بين الرجل وزوجته، لأن أي خلاف اذا ظل محصورًا فقط بين الرجل وزوجته فسينتهي سريعًا وفي أقرب وقت، أما اذا تدخلت عناصر من الخارج فان هذه العناصر ستورث عنادًا في المرأة وعنادًا في الرجل.
واذا كان الجران في الفراش فقط  فهو أفضل، حتى لا يشعر الأبناء بوجود خلاف بين الأب والأم ويتأثرون بذلك.

       

أعرف رجلًا كانت هناك خلافات بسيطة جدًا بينه وبين زوجته، فكان يقص على زميلة له في العمل تجلس في المكتب المقابل لمكتبه هذه الخلافات، وكانت هذه الزميلة تكره زوجته، لأن زوج هذه الزميلة قبل زواجه منها تقدم للزواج من زوجة هذا الرجل ورفضته، فكانت تكن لها غيرة وحقدًا، فكان كلما قص عليها هذا الرجل خلافه مع زوجته.
       

(وَاضْرِبُوهُنَّ) يعنى ان لم تنفع الموعظة ولم ينفع الهجران فاضْرِبُوهُنَّ، وقد وصف الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذا الضرب في حديثه في خطبة الواداع بأنه ضربًا غير مبرح، وقال العلماء أن الضرب الغير مبرح هو الضرب الذي لا يكون شديدًا ولا يكون مهينًا، لا يكون شديدًا يعنى لا يكون مؤلمًا، ولا يكون مهينًا فلا يلطمها على وجهها أو يضربها بقدمه مثلًا.
وروي عن ابن عباس أن الضرب يكون بالسواك
و في قصة سيدنا أيوب عندما حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة، قال له الله تعالى (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ) والضغث هو الحزمة من الحشيش يكون فيها مائة عود، ويضربها ضربة واحدة فكأنه ضربها مائة ضربة وبر بقسمه. 

       

هناك من لا يعجبه هذا الأمر في  القرآن الكريم، فيحاول أن يصرف كلمة الضرب عن المعنى المعروف للضرب، ويقول أن الضرب في اللغة العربية يعنى الهجران والتجاهل، ويأتي بأمثلة من القرآن على ذلك، ونرد على ذلك ونقول أن هناك آيات في القرآن جاءت بمعنى الضرب المعروف، مثل قوله تعالى (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ) وقوله تعالى (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) ثم قول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ" يعنى أن الضرب المقصود في الآية هوالضرب المعروف.
اذن المقصود بالضرب في الآية هو الضرب المعروف، ولكن المشكلة في التطبيق للآية، فالضرب المذكور في الآية ينبغي ألا يكون شديدًا، وينبغي ألا يكون مهينًا، وينبغي ألا يقصد به الانتقام، ولكن يكون فقط اذا رأي الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه. 

       

أحد المشايخ الذي نحترمهم يقول: هل ترضى لابنتك أن تضرب ؟ ما لا ترضاه لنفسك لا ترضاه لغيرك.
ونقول أن الآية قسمت النساء الى قسمين: الصالحات، وغير الصالحات، فقال تعالى عن الصالحات (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) فَالصَّالِحَاتُ المطيعات لأزواجهن، الحافظات لأزواجهن، لا علاقة لهم لا بالموعظة ولا بالهجران ولا بالضرب.
ثم تحدثت الآية عن الزوجة الغير صالحة، وهي الزوجة الناشز، الغير مطيعة لزوجها، والتى وعظها زوجها فلم تستجب، والتى هجرها فلم تستجب، ثم رأي زوجها أن رجوع زوجته عن نشوزها يتوقف علي ضربها، واذا ضربها فلن يهينها ولن يؤلمها.

       

ولذلك روي أن النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يضرب امرأة قط
روي أن شريحًا القاضي تزوج امرأة اسمها زينب، فلما تزوجها جائت امها لزيارتها فثقالت له أمه: ان رابك منها شيء فاضربها، فقالت أبيات من الشهر وقال فيها "فشلت يميني يوم أضرب زينبا"

       

(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا)
البغي هو الظلم
والمعنى:فَإِنْ رجعن عن النشوز وسوء العشرة الى الطاعة، فلا تظلموهن بأي طريق من طرق الظلم.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)
يعنى اياك وظلم الزوجة، وتذكر أن قدرة الله عليك أعظم من قدرتك على زوجتك، ولذلك قال تعالى (عَلِيًّا كَبِيرًا) يعنى هو تعالى أعلى منك وأكبر منك، وقادر على أن ينتصف لها منك.

       

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)
بعد الخطوة الأولى وهي الموعظة، والخطة الثانية وهي الهجران، والخطوة الثالثة وهي الضرب، تأتي الخطوة الرابعة وقبل الأخيرة، وهي (حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) 
أما الخطوة الخامسة والأخيرة، فهي الطلاق، يقول تعالى في الآية (130) من سورة النساء (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ)
ولم تأت هذه الآية والتى تتحدث عن الطلاق، بعد هذه الآيات مباشرة، اشارة الى أن قرار الطلاق يجب أن يأتي بعد فترة طويلة من محاولة العلاج والحفاظ على الأسرة.
يقول تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا).
يعنى وَإِنْ خِفْتُمْ أن يصل الخلاف بين الزوجين الى حد الطلاق
وأصل الشقاق أن كل واحد من الزوجين صار في شق وجانب غير الذى فيه الآخر .
(فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)
(حَكَمًا) يعنى رجلًا صالحًا عاقلًا حكيمًا
(مِنْ أَهْلِهِ) أي من أقارب الزوج
(وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) أي من أقارب الزوجة.
اذا لم يوجد أحد من الأقارب يمكن أن يقوم بهذا الدور، فيمكن أن يكون من غير الأقارب، ولكن يفضل من الأقارب، لأن القريب تسكن اليه النفس أكثر من غيره.
(إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) ان كان الزوجان يريدان الاصلاح بنية صادقة، واذا كان الحكمان يريدان الاصلاح، فان الله سيوفق بين الزوجين.
ولذلك كان "عمر بن الخطاب" اذا وقعت مشكلة بين زوجين، وارسل حكما من أهل الزوج وحكمًا من أهل الزوجة، فاذا لم يتوصلا الى الإصلاح بينهما، عنفهما، وربما علاهما بدرته، وقال: لو كان عندكما النية للإصلاح بينهما لوفق الله بينكما
وقد استحدثت الآن المحاكم في كثير من الدول ادارت تقوم بهذا الدور ففي مصر مثلًا يوجد "مكتب فض المنازعات بين الزوجين" وفي الكويت "لجنة اصلاح ذات البين" وأرجو أن يقوم أبناء كل حي بتشكيل لجنة من عقلاء الحي للقيام بهذا الأمر، لأن هذا الأمر يحتاج الى استعداد خاص 
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) 
العليم هو الذي يعلم ظواهر الأمور والخبير هو الذي يعلم بواطن الأمور

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

❇