Untitled Document

عدد المشاهدات : 394

الحلقة (260) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (11) من سورة "النِسَاء" قول الله -تَعَالي- (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ ك

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الستون بعد المائتين
تدبر الآية (11) من سورة "النِسَاء"

        

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) 
        

هذه الآية الكريمة والآية التي بعدها، والآية الأخيرة من سورة النساء هي أساس علم المواريث.
وهناك بعض أحكام المواريث الأخرى جاءت بهاالسنَّة الصحيحة.
مثل ما ثبت أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أعطي الجدة السدس.
ومنها ما رواه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال "ألحقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ" 
قال العلماء هذا الحديث، مع حديث ميراث الجدة، مع آيات المواريث الثلاثة اشتمل على جميع أحكام المواريث

        

قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "ألحقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ" 
هذا الحديث قسم التركة الى نوعين:
نوع سماه العلماء الفرض، ونوع سماه العلماء التعصيب
فالفرض يعنى مقدار محدد حدده الشارع، لا يزيد ولا ينقص، وهي ستة: النصف أو الربع أو الثمن، أو الثلثان، أو الثلث، أو السدس.
أما التعصيب: فيعنى أنه يأخذ الباقي.
.
مثال: رجل مات وترك زوجة وثلاثة بنات، وأربعة أبناء عمومة، فالزوجة لها الثُّمُنُ، والبنات الثلاثة لهن الثلثان، فهذه فرائض محددة، والباقي يكون لأبناء العمومة الأربعة يقسم بينهم تعصيبًا، لأنه غير محدد.
ولو مات رجل وترك زوجة وابن وبنت، فان للزوجة الثُّمُنُ، والباقي للابن والبنت، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ولا يبقي لأبناء العمومة شيء، لأن الفروض استغرقت التركة كلها.
ولو مات ولم يترك الا ابن عم واحد، فانه يحوز المال كله.
فمعنى حديث الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
"ألحقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ" 
يعنى أن نبدأ بتقسيم التركة على أهل الفرائض، وما بقي فيكون للعصبة، وقد تستغرق الفروض التركة كلها فلا يكون للعصبة شيء، وقد يكون المُعَصِّب  منفرد فيأخذ التركة كلها.

        

يقول تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)
الولد في لغة العرب يطلق على الذكر ويطلق على الأنثى،فالولد من المولود، فكانت العرب تقول: وُلَّدَلي ولد، أو وُلَّدَ لي أنثى، ونحن نقول: كيف حال الأولاد ونقصد الأولاد والبنات.
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)
لا يمكن أن يقول أحد لآخر: أوصيك على أولادك، لأنه ليس هناك أرحم على الولد من أبيه وأمه، فحين يقول تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) فهذه اشارة الى أن الله تعالى أرحم على الولد من أبيه وأمه، وأن الله تعالى أرحم علينا من آبائنا. 

        

(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) 
هذا أول حكم أن الذكر والأنثى -اذا كانا على درجة واحدة- فان نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى، والسبب أن الرجل مكلف بالنفقة بينما المرأة ليست مكلفة بأي نفقة، فالرجل ملزم بالنفقة على نفسه وعلى زوجته وعلى أولاده، بينما المرأة فهي لا تنفق الا على نفسها فقط، فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها، واذا لم يكن عندها مصدر رزق، فهي ملزمة بالنفقة من عصبتها.
فلو كانت لك أخت ليس لها مصدر رزق، فأنت ملزم بالنفقة عليها، واذا امتنعت فلها أن تلجأ للقضاء والذي يلزمك بالنفقة عليها.
وبهذا الاعتبار يكون نصيب الأنثى من الإرث أكثر من نصيب الذكر في بعض الحالات بالنسبة إلى نفقاتهما.
ولذلك عبرت الآية عن نصيب الأنثى بكلمة (حَظِّ) للإشارةالى أننصيب الأنثى، ولو كان نصف نصيب الرجل، الا أن عطائها في الحقيقة أكبر من عطاء الرجل. 
أحد العلماء كان في أحد فنادق باريس، وكانت الخادمة في الفندق يظهر عليها الرقي الشديد، فلما تكلم معها علم أن عمها فلان وهو من الشخصيات الثرية الشهيرة في فرنسا، فقال لها: لو كانت الشريعة مطبقة عندكم لألزمه القضاء بالنفقة عليك، فقالت: لو طبقت هذه الأحكام ، لما شردت كثير من النساء.
(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) 
عبر تعالى بالذكر والأنثى وليس الرجال والنساء، ليدل على عدم اعتبار السن والبلوغ والكبر في الميراث، كما كان يفعل أهل الجاهلية، حيث كانوا لا يورثون الأطفال ولا النساء .

        

هذا الحكم وهو أن لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ اذا كانا الذكر والأنثى على درجة واحدة، ولكن في أحوال أخري ترث المرأة مثل الرجل، فهناك 11 حالة ترث المرأة مثل الرجل، مثل الأم والأب كل واحد السدس.
وهناك أحوال ترث المرأة أكثر من الرجل، وهناك 9 حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، مثل البنت ترث أكثر من جدها
وهناك 7 حالات ترث المرأة ولا يرث الرجل، مثل الأخت الشقيقة في بعض الحالات ترث، و لا يرثالأخ لأب 
اذن هناك 27 حالة لا يرث فيها الرجل ضعف الأنثى

.        

نظام الإرث في الاسلام يعتمد على ثلاثة أمور:
1-    مدي القرب من المتوفي، فكلما كانت درجة القرب من التوفي أكبر، كلما كان نصيبه في الإرث أكبر.
2-    عمر الجيل، فالأجيال الصغيرة يكون نصيبها في الإرث أكبر من الأجيال الأكبر منها، لأن الأجيال الصغيرة مقبلة على مسئوليات مالية أكثر من الكبيرة
3-    المسئوليات المالية، ولذلك يرث الذكر ضعف الأنثي، ليس لأنه ذكر وهي أنثي، ولكن لأن مسئولياته المالية أكبر من مسئوليات الأنثى.

        

(فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)
يعنى لو لم يكن له أولاد ذكور وترك أكثر من بنتين، فلهن الثلثان من التركة، فلو كن ثلاثة بنات فلهن الثلثان، ولو كن أربعة فلهن الثلثان، ولو كن عشرة فلهن الثلثان.

        

يقول تعالى (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)
يعنى ان ترك الشخص بنتًا واحدة، وليس معها أخ أو أخت فلها نصف ما ترك المتوفي.

        

هنا تعرضت الآية الى حالة لو ترك الميت أكثر من بنتين، وتعرض لحالة لو ترك الميت بنتًا واحدة، ولم تذكر لو ترك الميت بنتين.
نقول أجمع أهل العلم، على أن البنتين يأخذان الثلثين:
وذكروا لذلك عدة أدلة، منها أن (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) عند العرب تشمل الاثْنَتَيْنِ وما فوق الاثْنَتَيْنِ، كما قال تعالى (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) يعنى اضربوا الأعناق نفسها وما فوقها.
ولأن الله تعالى حكم للأختين في الآية الأخيرة من سورة بالثلثين (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ... (176)
فإذا ورث الأختان الثلثين فمن باب أولى أن يرث البنتان الثلثين.
ولأنه قد ورد في السنة الصحيحة  أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ورث البنتين الثلثين.

        

الى هنا تكون الآية قد ذكرت ثلاث حالات للأولاد في الميراث:
الأولى : أن يترك الميت ذكوراً وإناثاً، فيكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى.
مع ملاحظة أن ذلك التقسيم بعد أن يأخذ الوالدان والزوجة أنصبتهم
الثانية : أن يترك الميت بنتين فأكثر ، فيكون للبنيتين أو أكثر ثلثا التركة.
الثالثة : أن يترك الميت بنتا واحدة وليس معها أخ ذكر، فيكون لها النصف .

        

وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد أعقبه ببيان ميراث الأبوين فقال:(وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس) .
قرأ حمزة والسكائي "فلإِمِّهِ" بكسر الهمزة.
وهي الآن لغة البلاد الشامية.
وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاث حالات للأبوين .
الحالة الأولى: ان كان للميت ولد سواء ذكر أو انثى، واحد أو أكثر، فيكون لأب المتوفي سدس التركة، ويكون لأم المتوفي سدس التركة.
(وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ)
فيكون نصيب الأبناء أكبر من نصيب الوالدين، لأن الأبناء في الغالب يكونون في حاجة الى المال أكثر من الوالدين، سواء كانوا صغارًا فهم في حاجة الى النفقة، أو كانوا كبارًا فهم أكثر أعباءًامثل الزواج أو تربية الأطفال أو غير ذلك.

        

الحالة الثانية: اذا لم يكن للميت زوجة ولا أولاد، فيكون للأم الثلث وللأب الثلثان.
(فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث)
واذا كان هناك زوجة، فيكون للزوجة الربع –كما سيأتي في الآية التالية- والباقي يقسم ثلث الباقي للأم، وثلثي الباقي للأب.

        

الحالة الثالثة:اذا ترك الميت أب وأم ومعهما إِخْوَةٌ.
(فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس) .
ففي هذه الحالة يكون للأم سدس التركة، والباقي للأب، ولا ميراث للإخوة، لأن الأب يحجب الإخوة.
اذن الإخوة أنقصوا نصيب الأم من الثلث الى السدس، ولم يرثوا.
والسبب أنه في حالة وجود أخوة فان الأب مكلف بالنفقة عليهم، والأم غير مكلفة بالنفقة عليهم، فهو في حاجة الى المال أكثر.
لكن ان كان للميت أخ واحد فانه لا ينقص نصيب الأم من الثلث الى السدس، لأن القرآن قال (فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ) أي أكثر من أخ واحد.
لأن الأخ الواحد لا يمثل عبأ على الأب.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
يعنى قسمة هذه الأنصبة يكون مِنْ بَعْدِ انفاذ وَصِيَّةٍ أوصى بها الميت، أَوْ قضاء دَيْنٍ عليه.
عندما يموت الانسان فانه يتعلق بالتركة أربعة حقوق:
•    مؤونة تجهيز الميت: من ثمن الكفن والغسل والدفن والعزاء وغير ذلك، فيقدم ذلك على جميع الحقوق الأخرى.
•    الديون، وقسمها العلماء الى قسمين: ديون الله، وديون الناس، فديون الله مثل الحج أو زكاة تأخر في اخراجها، أو نذر أو كفارة، وديون الناس، مثل القروض، ومؤخر الصداق. واختلف العلماء أيهما يقدم: دين الله أم دين الناس، فقال البعض يقدم دين الله لقول الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى " وقال البعض يقدم دين العباد على دين الله، لأن دين الله قائم على التسامح، ودين العباد قائم على المشاحة، ومن العلماء من سوي بينهما، وهو موضوع فيه مباحث طويلة.
•    وصية الميت، بشرط ألا تكون لوارث، وألا تزيد عن ثلث التركة، فاذا زادت عن الثلث فإنها لا تنفذ.
•    الورثة.

        

اذن قضاء الديون مقدم على الوصية، ومع ذلك جاءت الوصية في الآية قبل الدين، فقال تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
يقول العلماء قدمالله الوصية على الدين، لأن الدين له مُطالب، يستطيع أن يطالب بدينه، أما الوصية ليس لها مطالب، فقدمها تعالى للعناية بها.

        

(آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)
يعنى أنفذوا الوصية كما امرتكم، ولا تعتمدوا في تقسيم التركة على تقديركم من الذي ستنتفعون به، فأنتم لا تعرفون الأنفع لكم في الدنيا والآخرة.
قصة: رجل كان عنده مال كثير، ولم يكن لديه من الأبناء الا بنتين، وكان له أخوة، فاراد أن يحرم أخوته، وتكون جميع الأموال للبنتين، فأعطي بناته كل أمواله في حياته، وتزوجنا وسافرت احداهما الى الخارج، ثم مرض واحتاج الى اجراء عملية مكلفة خارج البلاد، فطلب من بناته مساعدته فاعتذرت ابنته المسافرة بأن الأموال قد أقامت به مشروع في البلد الذي هي فيه، وقالت ابنته الثانية لماذا أتحمل المبلغ بالكامل، وقال لها زوجها لماذا كل هذه المبالغ ثم يموت أبوك بعد ذلك، والذي كان يقوم على مساعدته في مرضه هم أخوته الذين تحايل حتى يحرمهم من ميراثهم، حتى أن أحدهم وكان فقيرًا باع شقته التي كان يسكن فيها، وتحول الى السكن بإيجار جديد حتى ينفق على أخيه مصاريف التحاليل والاشاعات والأدوية وخلافه، وتدهورت حالة الأب الصحية، ثم توفي في النهاية متأثرًا بمرضه.

        

(فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)
يؤكد الله تعالى على ضرورة الالتزام بما شرعه تعالى من تقسيم للتركة، فقال تعالى (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) أي أن الالتزام بهذه الأنصبة هو أمر فرضه الله عليكم، ولذلك يطلق علي علم المواريث"علم الفرائض"
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)
(عَلِيمًا) أي أن الله تعالى ذو علم بمصلحة عباده.
(حَكِيمًا) يضع كل شيء في موضعه.

        

في بعض المجتمعات هناك عرف ألا ترث البنات في الأرض الزراعية أو العقارات بصفة عامة، ويكتفون بأن تأخذ البنات الذهب، ويأخذ الذكور الأرض، ويرون أن البنت اذا كان لها نصيب في الأرض وهي زوجة لرجل ليس من عائلتهم ، فهذا يعنى انتقال أرضهم لعائلة أخري، ويقولن هذا "سلو بلدنا"
تجد امرأة توصى بأن يوزع ذهبها على البنات، لكن العمارة ملكها تكون للذكور.
والبعض يسأل البنت: هل أنت راضية، فلا تجد الا أن تقول نعم، لأنها لا تستطيع مخالفة العرف.

        

البعض يوزع أمواله أو بعض أمواله في حياته على أبناءه، وهذا جائز، ولكن ما نيتك بهذا التوزيع ؟ 
هل تريد أن يتمتع أبنائك بأموالك في حياتك ؟ تراهم أو تري بعضهم في حاجة الى المال وتريد مساعدته ؟ فهذا جائز. ولكن اذا كانت نيتك أنك غير راضي أن يكون نصيب الذكر ضعف الأنثى، وتريد أن توزع المال حتى تأخذ البنت مثل الولد.
أو –وهذا الأمر الشائع جدًا- ليس عندك أبناء ذكور، ولا تريد أن يشترك مع البنات أحد في الميراث، فيوزع المال على البنات في حياته، ونيته في ذلك ألا يشترك أحد معهن في الميراث، فهذا حرام وتحايل على شرع الله تعالى.

        

البعض يوزع أمواله في حياته على أبناءه حتى يساوي بين الذكور والاناث.
        

البعض يوزع أمواله ولكن مع وقف التنفيذ حتى موته، أو أن يضع الأموال في البنك باسم بناته، وتقوم البنات بعمل توكيل بنكي للأب، ويتفق معهن على عدم التصرف في الأموال حتى موته، فهذا وصية لوارث، والوصية لوارث لا تجوز. 
ملخص تدبر الآية 
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) يوصيكم الله ويأمركم في شأن توريث أولادكم 
(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أن يكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى -اذا كانا على درجة واحدة- 
(فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) فإن ترك الميت بنات فقط فللبنتين فأكثر ثلثا التركة
(وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) وإن كانت ابنة واحدة، فلها نصف التركة.  
(وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) وان كان للميت أبناء، فيكون لأمه السُّدُسُ، ولأبيه السُّدُسُ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) فإن لم يكن له أبناء فلأمه الثلث ولأبيه الثلثين.  
(فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) فإن كان للميت إِخْوَةٌ فيكون نصيب أمه السُّدُسُ وللأب الباقي ولا شيء للإخوة.
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وهذا التقسيم للتركة يكون بعد إخراج ما عليه من ديون، وبعد إخراج وصية الميت، والتي لا يجوز أن تزيد عن ثلث التركة.  (آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) أي وعليكم الالتزام بهذه الأنصبة، ولا تعتمدوا على تقديركم من الذي ستنتفعون به، فأنتم لا تعرفون الأنفع لكم في الدنيا والآخرة. (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) أي واعلموا أن الالتزام بهذه الأنصبة هو أمر فرضه الله عليكم 
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا) واعلموا أن الله تعالى ذو علم بمصلحة عباده 
(حَكِيمًا) يضع كل شيء في موضعه.

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"