Untitled Document

عدد المشاهدات : 578

الحلقة (239) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات (169) و(170) و(171) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة التاسعة والثلاثون بعد المائتين
تدبر الآيات (169) و(170) و(171) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) 
❇        

(وَلَا تَحْسَبَنَّ) وقرأت (وَلَا يَحْسَبَنَّ) يعنى لَا تَظننَّ
(الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وقرأت (قُتِّلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بتشديد التاء.
والقتال فِي سَبِيلِ اللَّهِ هو القتال لنصرة دين الله.

❇        

يقول ابْنِ عَبَّاسٍ في سبب نزول هذه الآية الكريمة‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏‏لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي طَيْرٍ خَضْرٍ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وتشرب من أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٌ في ظل الْعَرْشِ‏.‏
فَيَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ اطِّلَاعةً فَيَقُولُ‏:‏ يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ‏ ؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ رَبَّنَا، لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا ‏!‏ ثم يطلع عليهم ثانية ويَقُولُ‏:‏ يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ‏ ؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ رَبَّنَا، لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا‏ !‏ ثم يطلع عليهم الثَّالِثَةَ ويَقُولُ‏:‏ يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ‏ ؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ نُرِيدُ أَنْ تُعِيدُ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا فَنُقَاتِلُ فِي سَبِيلِكَ فَنُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى‏.‏
فيقول تعالى: قد سبق مني أنكم لا تردون.
فيقولون: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم، كي يرغبوا في الجهاد، فيقول الله عز وجل: أنا مخْبِرٌ عنكم، ومُبَلغ إخوانكم، فأنزل الله هذه الآية (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)

❇        

وعندما تسمع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول أن أرواح الشهداء تكون فِي طَيْرٍ خَضْرٍ، اعلم أن هذا الطائر لا يشبه طائر من طيور الدنيا، لأنه لا شيء في الآخرة يشبه ما في الدنيا، ولكنها اشارة الى أن هذا الكائن يتنقل في الجنة بل يطير فيها حيث شاء.
❇        

اذن هذه الآية الكريمة وحديث الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يخبرنا عن سر من اسرار حياة البرزخ، وحياة البرزخ هي الحياة التي تكون بين الحياة الدنيا ويوم القيامة.
فنحن نعلم أن الكافر والعاصي يضم في قبره ويعذب في قبره حتى يوم القيامة.
والمؤمن الطائع يبشر بالجنة ثم يقال له نم نوم العروس حتى يوم القيامة.
أما الشهيد فله في حياة البرزخ خصوصية ليست لغيره من المؤمنين، فبينما أرواح المؤمنين لا تشهد الجنة الا يوم القيامة، فان الشيهد يظل حيًا يتنعم في الجنة فيأكل مِنْ ثِمَارِها، ويشرب من أَنْهَارَها، بل ويتنقل فيها كيف يشاء حتى يوم القيامة.

❇        

ولذلك قال تعالى (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) 
فكلمة (أَحْيَاءٌ) خصوصية لهم ليست لغيرهم من الأموات.
وقوله تعالى (يُرْزَقُونَ) يعنى يأكلون ويشربون
وقوله تعالى (عند ربهم) تدل على القرب والكرامة.

❇        

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "لقيني رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال لي: يا جابر ما لي أراك منكسراً ؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: ما كلم الله تعالى أحداً إلى من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك فكلمه كفاحاً -أي كلمه مباشرة بلا حجاب- قال: يا عبدي تمن علي أعطك، قال: يا رب أحيني فأقتل فيك الثانية، قال تعالى: إنه قد سبق مني أنكم لا تردون.
❇        

روي البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ، له عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ له الدُّنْيا وما فيها، إلَّا الشَّهِيدَ لِما يَرَى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ، فإنَّه يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى."


❇        

(فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) 
(فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي مسرورين بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
(وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) 
عندما تقول: أنا مستبشر خير، يعني عندك أمل كبير بقدوم هذا الخير.
وأنت تقول: أنا مستبشر بقدوم فلان.
يعنى أنت متطلع وعندك رغبة وأمل كبير بقدوم هذا الشخص.
فهؤلاء الذين نالوا الشهادة عندهم تطلع ورغبة وأمل كبير بأن يلحق بهم اخوانهم الذين كانوا يجاهدون معهم، فينالوا الشهادة كما نالوها هم.
وهم مستبشرون، وعندهم هذا الأمل الكبير بأن يلحق بهم اخوانهم، لأنهم تركوهم وهم يجاهدون ويقاتلون في سبيل الله، ولذلك قال تعالى (مِنْ خَلْفِهِمْ) يعنى هم على طريقهم ويقتفون آثارهم.

❇        

معنى آخر لقوله تعالى (يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) ذكره السُدِّي بأن الشهيد يؤتى بكتاب فيه أسماء اخوانه الذين سيموتون شهداء، فيسر بذلك ويستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه عليهم في الدنيا.
❇        

(أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
هؤلاء الشهداء لَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
الانسان يخاف مما هو مقبل عليه، ويحزن على ما فات منهم.
فهؤلاء لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما هم مقبلون عليه من أمر الآخرة، وسيبعثون آمنين يوم القيامة، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فارقوا من الدنيا.

❇        

(يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) 
يخبر تعالى بأنهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، فانهم يستبشرون بما هم مقبلون عليه من النعيم والفضل من الله تعالى.

❇        

وقد ذكر تعالى في الآية السابقة بأنهم فرحين، وذكر تعالى في هذه الآية أنهم يَسْتَبْشِرُونَ
فهم فَرِحِينَ بالحال الذي هم فيه، لأنهم يتنعمون في الجنة حتى يوم القيامة، ويَسْتَبْشِرُونَ بما هم مقبلون عليه من الكرامة والنعيم في يوم القيامة.

❇        

وقوله تعالى (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) يدل على اتساع النعمة، لأن الفضل يعنى الزيادة.
(وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)
اذن فالحكم عام في كل شهيد، حتى لو كانت الآية نزلت في شهداء أحد، أو شهداء بدر، أو شهداء بئر معونة.

❇        

روي الترمذي من حديث أبو هريرة "ما يجدُ الشَّهيدُ من مسِّ القتلِ، إلَّا كما يجدُ أحدُكُم من مَسِّ القرصةِ"
❇        

وأخرج أحمد عن عبد الله بن جحش ‏‏ "‏أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله‏؟‏ قال‏: الجنة‏.‏ فلما ولى قال‏:‏ إلا الدين سارني به جبريل آنفاً"
❇        

روى الترمذي عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ  قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه"
❇        

ذكر البيهقي في كتابه "شعب الإيمان" عن قاسم بن عثمان الجوعي يقول‏:‏ رأيت في الطواف حول البيت رجلاً لا يزيد على قوله‏:‏ اللهم قضيت حاجة المحتاجين وحاجتي لم تقض، فقلت له‏:‏ ما لك لا تزيد على هذا الكلام‏ ؟‏ فقال‏:‏ أحدثك‏،‏ كنا سبعة رفقاء نقاتل في سبيل الله، فوقعنا في الأسر، وأخذنا  لتضرب أعناقنا، فنظرت إلى السماء فإذا سبعة أبواب مفتحة عليها سبع جوار من الحور العين على كل باب جارية، فقدم رجل منا فضربت عنقه، فرأيت جارية قد هبطت إلى الأرض وأخذته من يدها وصعدت، حتى ضربت أعناق ستة وبقيت أنا، وبقي باب وجارية‏.‏ فلما قدمت لتضرب عنقي شفع لي أحدهم، وأطلقوا سراحي، فسمعتها تقول‏:‏ أي شيء فاتك يا محروم‏ ! وأغلقت الباب، وأنا يا أخي متحسر على ما فاتني‏.‏ 
❇        

نختم بهذا الحديث الذي أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال‏:‏ "مَنْ سأَلَ اللَّه تَعَالَى الشَّهَادةَ بِصِدْقٍ بلَّغهُ اللهُ منَازِلَ الشُّهَداءِ وإنْ ماتَ على فِراشِهِ"

 

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇