Untitled Document

عدد المشاهدات : 369

الحلقة (231) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآية (152) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ م

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الحادية والثلاثون بعد المائتين
تدبر الآية (152) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)

❇        

ما زالت الآيات الكريمة تتحدث عن غزوة أحد، وقد قلنا أن الآيات من الآية رقم (121) الى الآية (179) تتحدث عن غزوة أحد فيقول تعالى:
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) 
بعد أن عاد المسلمون من غزوة أحد، قال بعض الصحابة:
-    كيف أصابَنَا هذا، وقد وَعَدَنا اللهُ النصرَ ؟
وقد وعد الله تعالى المؤمنين بالنصر في أكثر من موضع في القرآن العظيم
يقول تعالى في سورة غافر (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الـحَيَـاةِ الدٌّنيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ)
وفي سورة الأنبياء (وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِـحُونَ)
وفي سورة الصافات (وَلَقَد سَبَقَت كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الـمُرسَلِينَ * إنَّهُم لَهُمُ الـمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ) 
الى غير ذلك، أي أن هناك وعد بالنصر من الله تعالى للمؤمنين، ولذلك قال بعض الصحابة بعد العودة من أحد:  
-    كيف أصابَنَا هذا، وقد وَعَدَنا اللهُ النصرَ ؟
فرد الله -تَعَالي- عليهم وقال (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) 
يعنى لقد صدق الله وعده للمؤمنين بالنصر على أعدائهم في غزوة أحد، لأن المسلمين كانوا هم الغالبين في بداية المعركة، وقتل صاحب راية المشركين، وحملها غيره، فقتلوا جميعًا وكان عددهم سبعة، حتى سقطت راية المشركين على الأرض، وظلت الراية ساقطة على الأرض حتى بدأ المشركون في الفرار 
(إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) يعنى إِذْ تَقْتُلُونَهُمْ‏، وتستأصلوهم.
كانت العرب تقول "حَسَّهُ" أي قَتَلَه؛ لأنه أبطل حِسَّهُ، أي أبطل حواسه بالقتل
وكانت العرب تقول حَسَّ الزَّرْعَ، يعنى قَلَعهُ مِنْ جذره وأبَادَهُ.

❇        

وقوله تعالى (بِإِذْنِهِ) يعنى كان ذلك بمعونة الله تعالى وارادته، لأن أعداد المشركين كان أكبر من أعداد المسلمين بأكثر من أربعة أضعاف.
فقد كان المشركون ثلاثة آلاف مقاتل منهم 200 فرس، بينما المسلمون 700 مقاتل فقط منهم أربعة فرسان.
فكان انتصار المؤمنون على المشركين في أحد بمعونة الله تعالى، يقول ابن عباس:
مَا نُصِرَ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
فِي مَوْطِنٍ كَمَا نُصِرَ يَوْمَ أُحُدٍ، فأنكر البعض عَلَيْهِ ذَلِكَ. فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنِي وبينكم كِتَابُ اللَّهِ، يَقُولُ –تعالى- فِي يَوْمِ أُحُدٍ: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)

❇        

(حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ‏) يعنى هذا النصر كان قائمًا حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ، أي حَتَّى إِذَا جَبُنْتُمْ وَضَعُفْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ ، عندما أنقض عليكم خيل المشركين، وكان يجب عليكم في هذا الموقف الصبر والثبات وعدم الفرار.
❇        

(وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) سبب آخر للهزيمة 0بجانب التخاذل والضعف عند القتال- هو التنازع والاختلاف الذي كان بين الرماة.
ذلك أن الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جعل على أحد أجزاء جبل أحد أربعون راميًا، وجعل عليهم أميرًا "عبد الله بن جبير" وأمرهم بعدم ترك أماكنهم تحت أي ظرف، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا، قال الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "
-    إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم.
فلما كانت الغلبة للمسلمين في بداية المعركة، وبدأ المشركون في الفرار، قال بعضهم: انْطَلَقُوا فَأَدْرَكُوا الْغَنِيمَةَ، فقال أميرهم "عبد الله بن جبير" : بَلْ نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَثْبُتُ مَكَانَنَا. فلم يثبت معه الا تسعة فقط، وقيل اقل من ذلك، وترك الباقين أماكنهم.

❇        

يقول تعالى (وَعَصَيْتُمْ) المقصود: الرماة الذين عصوا أوامر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
(بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) أي من بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ الله مَا تُحِبُّونَ من النصر على الأعداء.

❇        

(مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا) الذين خالفوا أوامر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرَادُوا الْغَنِيمَةَ.
(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ) وهم الذين ثبتوا في أماكنهم، ورفضوا مخالفة أوامر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقلنا كان عددهم تسعة، وقد ماتوا جميعًا شهداء، لأنهم لم يستطيعوا بهذا العدد القليل أن يثبتوا أمام مائتين فارس، هم عدد فرسان المشكرين.
يقول "عبد الله بْنُ مَسْعُودٍ" مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ‏.‏

❇        

(ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) أي ثُمَّ صَرَفَكُمْ أيها المؤمنون عن المشركين بعد أن كانت لكم الغلبة في أول الأمر.
(لِيَبْتَلِيَكُمْ) أي لِيَخْتَبِرَكُمْ بالهزيمة، فَيَتَبَيَّنَ الصابرُ مِنَ الجازع، والمؤمن مِنَ المنافق.
لأن لو انتصر المسلمون في جميع المواجهات مع المشركين، لإمتلأت صفوف المؤمنين بالمنافقين، ولما تميز المنافق من المؤمن. 

❇        

(وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) فيه قولان‏:‏
الأول: عفا عن استئصالكم واهلاككم.
والثاني: عفا عن عقوبتكم.
وهنا سؤال أليس ما أصابهم من هزيمة وقتل وجراح كان عقابًا لهم على مخالفة أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟
نقول: هذه اشارة الى أن ما حدث لهم من هزيمة وقتل وجراح أقل مما يجب عليهم من عقوبة بسبب مخالفتهم أمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، ولذلك احتاج الأمر الى عفو الله -تَعَالي- عنهم.

❇        

(وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي وَاللَّهُ -تَعَالي- ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ اذ لم يستأصلهم وانما عَاقَبَهُمْ بِبَعْضِ ذنوبهم فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا أَدَبًا وَمَوْعِظَةً
❇        

اذن غزوة أحد فيها درس عملي وتجربة واقعية، لشرط الله تعالى لتحقيق النصر لعباده المؤمنين، وهي تقوي الله تعالى والصبر، كما قال تعالى (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) ولذلك كانت الغلبة للمسلمين في الجزء الأول من المعركة، برغم التفوق الكبير لجيش المشركين في العدد والعدة، حين صبروا على القتال، وكانوا ملتزمين بأوامر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
ثم كانت الهزيمة للمسلمين في الجزء الثاني من المعركة، برغم أن الغلبة كانت لهم في ذلك الوقت، لأنهم لم يصبروا على القتال، ولم يلتزموا بأمر الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  
يقول الحسن البصري : هؤلاء ناداهم الله بنداء الإيمان، فقال تعالى في أول الآيات (يا أيها الذين آمنوا) وجاهدوا مع رسول الله -تَعَالي- -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلما عصوا رسول الله في أمر واحد، جائتهم العقوبة والهزيمة من الله تعالى، والآن فساد عصاة، ويقولون: لماذ لا ينصرنا الله ؟!

❇        

يقول الإمام "محمد عبده": رأيت النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الرؤيا وهو منصرفًا مع أصحابه من أحد، وهو يقول: لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة"
❇        

لذلك يقولون: الدرس الذي يعلم النصر في الكثير، لا يعتبر هزيمة في القليل. والمثال على ذلك: لنفرض أن ولداً من الأولاد رسب سنة، ثم ذاق ذلة الرسوب، نجده يتعلم الدرس ويصبح بعد ذلك من العشرة الأوائل، إذن فالرسوب الأول له كان خيراً.
❇        

اذن كانت غزوة أحد إنما هو رياضة وتدريب على المنهج، واستعوب الصحابة الكرام الدرس جيدًا، ولذلك لم ينهزم المسلمون في معركة واحدة بعد ذلك ابدًا في عهد الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا في أي معركة كان فيها صحابيًا واحدًا

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇