Untitled Document

عدد المشاهدات : 431

الحلقة (215) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيتين (111) و (112) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَن

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الخامسة عشر بعد المائتين
تدبر الآيتين (110) و(111) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) 

❇        

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)
كثير ممن يقرأ القرآن العظيم، ويتدبر القرآن العظيم، يقول ما معنى قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ؟
هل معنى ذلك أننا كنا خَيْرَ أُمَّةٍ، ولكننا الآن لسنا خَيْرَ أُمَّةٍ ؟
يقول أهل التفسير: أن قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يعنى (أنتم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)
فلماذا التعبير بالفعل الماضي (كُنْتُمْ) بدلًا من (أنتم) ؟
يقول أهل اللغة أن (كان) عند العرب فعل لا يفيد الماضي فقط ولكن يفيد الحاضر والمستقبل، ولذلك قالوا أن كان أم الأزمنة.
وهذا مثل قوله تعالى في سورة مريم (كيف نُكلِّم مَنْ كان في المهد صبياً) يعنى: كيف نُكلِّم من هو في المهد صبيًا.
فكان العرب تأتي بالفعل على بنية الماضي وهو حاضر أو مستقبل، اذا كانت تريد تأكيد الفعل، أو أنه لا شك فيه.
اذن قوله تعالي (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يعنى (أنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وأتي الله تعالى بالفعل (كُنْتُمْ) بصيغة الماضي لتأكيد الأمر وأنه لا شك فيه.

❇        

(أُمَّةٍ) والأمة هي الطائفة الكبيرة
(أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) أي: أظهرت للناس.
روي الترمذي أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله تعالى"
ويقول الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة"
والأحاديث في فضل هذه الأمة كثيرة.

❇        

(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) 
يعنى: أنتم خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ‏:‏ أَنْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ‏.‏
يقول مجاهد: الخَيْرِيَّةُ في هذه الأمَّةِ على هذه الشَّرِيطَةِ.
يقول قَتَادَةَأَنَّ "عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ" خرج للحج، فرأي من الناس أمور وسلوكيات سَيِّئَةً، فقرأ -رضى الله عنه- هذه الآية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِتَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ثُمَّ قَالَ‏:‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ، فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ مِنْهَا‏.‏

❇        

نحن نخطأ خطأ كبير جدًا حين نعتقد أو نتوهم أن خيرية هذه الأمة بسبب العرق أو الجنس، أو لأننا عرب، وحين نعتقد هذا أو نتوهم هذا، فنحن مثل بنى اسرائيل الذين قالوا (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)فرد الله تعالى عليهم وقال (بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) فالله تعالى لا يحابي عرقًا على حساب عرق، لأنه تعالى كما نقول في فاتحة الكتاب (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
❇        

هذه الآية مكتوب في مبنى الجامعة العربية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) والمفروض أن تكتب في الجامعة الاسلامية، لأننا لسنا خَيْرَ أُمَّةٍ لأننا عرب، وانما نحن خَيْرَ أُمَّةٍ لأننا مسلمون نؤمن بالله تعالى، ونحقق شرط الله تعالى في الخيرية وهي أننا نأمر بِالْمَعْرُوفِ وَننهي عَنِ الْمُنْكَرِ
❇        

لماذا قدم الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع للإيمان بالله ؟
لبيان أن هذه هي الميزة التي نتميز بها عن غيرنا من الأمم، فغيرنا من الأمم قد يشتركون معنا في الايمان بالله تعالى، ولكننا حين نتميز عنهم فإننا نتميز عنهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وليس معنى هذا أن غيرنا من الأمم لم يكونوا مأمورين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هذا أمر في كل الشرائع، ولكنهم أمروا بذلك، فضيعوا الأمر ولم يلتزموا به
يقول تعالى في سورة المائدة (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)
روي أن الله تعالى أمر أحد الملائكة أن تهلك أهل قرية، فقال الملك : أي رب إِنَّ فِيهِ عَبْدَكَ فُلَانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فقال تعالى: به فابدأ فانه لم يتمعَّر وجهه –أي لم يتغير وجهه- فيَّ ساعة واحدة"
والأحاديث والآثار في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة لا حصر لها.
يقول على بن أبي طالب "حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق"

❇        

(وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي وَلَوْ آَمَنَ اليهود والنصارى بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به من القرآن العظيم لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ.
والآية تشير الى أن عدم ايمانهم بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سببه هو حرصهم على ما كانوا يتمتعون به من سلطة دينية وجاه زائف، ومنافع دنيوية.
فالله تعالى يقول لهم لو آمنتم لكان خيرًا لكم في الدنيا والآخرة
(مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) يعنى عدد قليل جدًا من اليهود والنصارى هم الذين آمنوا بالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، أشهرهم "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ" وكان من أحبار اليهود من "بنى قينقاع" وقد أسلم بمجرد هجرة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى المدينة، ومنهم "أسد بن كعب" و"أسيد بن كعب" و"رِفَاعَةُ بن قَرَظَة" والسيدة "صفية" أم المؤمنين، ومن النصارى "النجاشي" واسمه "أَصْحَمَةَ بْنِ أَبْجَرَ"

❇        

(وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) أي أن أَكْثَرُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى كفر بالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به من القرآن العظيم.
وكلمة الفسق تعنى الخروج، كانت العرب تقول "فسقت الرطبة" اي خرجت من قشرتها، فهناك الفسق الأصغر، وهو الخروج عن طاعة الله، وهناك الفسق الأكبر، وهو الكفر،  وهو الخروج عن دين الله، والمقصود هنا الفسق الأكبر، وهو الخروج عن دين الله.

❇        

(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)
لما قال تعالى (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) قد يشعر المسلمون بشيء القلق، لأنهم يواجهون الأكثرية.
أو أن هذه الأقلية التي آمنت من أهل الكتاب تشعر بالخوف من الأكثرية من أهل الكتاب التي لم تؤمن
فيطمئنهم الله تعالى ويقول (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) يعنى محاولة الأكثرية لإنزال الضرر بكم لن يتجاوز مرحلة الأذى.
ما الفرق بين الضرر والذي ؟
الأذى هو حدث يؤلم وقت وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر فانه حدث يؤلم وقت وقوعه وتكون له آثار بعد ذلك.
ولذلك قالوا الأذي يكون باللسان كالسب والسخرية، ولذلك قالوا في المثل "الشتيمة ما بتلزقش" 
فقد يتشاجر اثنان ويتسابان، فهذا اذي، ولكن اذا تطور الأمر الى الاشتباك بالأيدي والى اصابات وجروح فهذا ضرر.
اذن قوله تعالى (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى) يعنى أقصى ما في استطاعتهم في محاولتهم انزال الضرر بكم، هو مجرد أذي وكلمات باللسان، كالاستهزاء والسخرية واثارة الشائعات وغير ذلك، ولكنهم لا يستطيعون انزال الضرر بكم.
(وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ) 
يعنى اذا أراد هؤلاء أن يُصَعِّدوا الأذى للمؤمنين ليوقعوا ضرراً حقيقياً وذلك بالقتال، فانهم سيولون الأدبار أمام المؤمنين.
وقوله تعالى (يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ) كناية عن الانهزام والفرار. 
ولم يقل تعالى "يُوَلُّوكُمُ ظهورهم" تحقيرًا لهم.
وهذا الجبن عن القتال والفرار من القتال سببه حرصهم الشديد على الحياة، يقول تعالى (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) 
أما المؤمن فليس عنده هذا الحرص على الحياة، وانما هو حريص على الشهادة في سبيل الله
كما قال "خالد بن الوليد" عندما أرسل الى بعض ملوك الفرس "جئتكم بقوم يحرصون على الموت كما تحرصون أنتم على الحياة"
وهذا الذي حدث في جميع مواجهات اليهود مع الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 

❇        

بعد غزوة بَدْرٍ، ذهب الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وقَالَ: 
-    يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ قُرَيْشًا.
قَالُوا لَهُ: 
-    يَا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَعْمَارًا لا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسَ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا.
ثم بعد ذلك هزمهم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-هزيمة منكرة، ثم كانت هزيمة بنى النضير، ثم هزيمة بنى قريظة، ثم الهزيمةالكبري في خيبر.
اذن قولهم " لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسَ" كان كلامًا باللسان "طقة حنك" وحين كان القتال الحقيقي فانهم فروا وانهزموا 

❇        


نحن نعلم أن (ثُمَّ) تفيد الترتيب والتراخي، أما الفاء فإنها تفيد الترتيب بدون تراخي.
يعنى هناك فرق بين أن أقول: أتي محمد فزيد، وبين أن أقول: أتي محمد ثم زيد
اذا قلت: أتي محمد فزيد، فمعنى هذا أن زيد قد جاء بعد محمد مباشرة، أنا اذا قلت: أتي محمد ثم زيد، يعنى زيد جاء بعد محمد بفترة 
وهذا مثل قول الله تعالى في سورة عبس (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) لأن دخول القبر بعد الموت مباشرة، ثم يقول تعالى (ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ) لأن النشور، أو البعث من القبر يكون بعد الموت بفترة طويلة.
هنا يقول تعالى (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) كان الظاهر ان يقول تعالى (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ فلَا يُنْصَرُونَ) لأن عدم النصر أو الهزيمة تكون بعد الفرار مباشرة، ولكن الله تعالى استخدم (ثُمَّ) التي تفيد التراخي، ليشير الى أن هذا الحكم ليس خاصًا بمعركة أو المعارك التي تكون في عهد الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكنه حكم تأبيدي ينسحب على كل مواجهة بين أهل الفسق وأهل الايمان، انهم لا ينصرون على أهل الايمان أبدًا.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇