Untitled Document

عدد المشاهدات : 505

الحلقة (213) من "تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم" تدبر الآيات من (102) الى (105) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله -تَعَالي- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِ

تَدَبُرَ القُرْآنَ العَظِيم
الحلقة الثالثة عشر بعد المائتين
تدبر الآيات من (102) الى (105) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) 

❇        

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ)
هذا أمر من الله -تَعَالي- لنا نحن المؤمنون، بتقوي الله -تَعَالي-وقلنا –من قبل- أن تقوي الله يعنى أن يتخذ الإنسان الوقاية من عذاب الله، وذلك بأن يقوم بأوامر الله، وأن يترك ما نهى الله عنه.
ولذلك كان الشيخ ابن العثيمين يقول: أعتقد أن أكثر أمر تكرر في القرآن العظيم هو الأمر بتقوي الله تعالى.
(اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)
ما معنى (حَقَّ تُقَاتِهِ)
يقول ابن عباس (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) يعنى ألا تعصى الله طرفة عين.
وهذا أمر غير ممكن الا للملائكة .
ولذلك لما نزلت هذه الآية قال الصحابة : يا رسول الله, من يقوى على هذا ؟ فأنزل الله عز وجل في سورة التغابن: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" فشرحت آية التغابن، هذه الآية الكريمة، كأن المعنى "اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ" يعنى على قدر استطاعتنا، وأن نبذل في ذلك غاية الجهد.

❇        

(وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) 
هذا أمر من الله -تَعَالي- بالمداومة على الاسلام والاخلاص والطاعة، لأنه لا أحد يعلم متى يموت، فاذا أمرك -تَعَالي- أن تموت على الاسلام، فهذا أمر من الله -تَعَالي- أن تداوم على الاسلام والطاعة طوال حياتك، حتى اذا جائك الموت في أي لحظة فانك تموت على الاسلام، وعلى طاعة الله عز وجل.

❇        

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) 
قلنا أن هذه الآيات الكريمة لها سبب نزول، وهي أن رجلًا شيخًا يهوديًا اسمه "شاسِ بنِ قيسٍ" مَرَّ على نفر من الأوس والخزرج وهم يتحدثون، فغاظه ما رأي من جماعتهم وألفتهم بعد الذي كانواعليه من العداوة في الجاهلية، وقال: والله ما لنا اذا اجتمع هؤلاء بها من قرار، فأمر شابًا من اليهود كان معه وقال: اجلس اليهم وذكرهم يوم بُعَاث.
ويوم بُعَاث هو آخر الحروب بين الأوس والخزرج، وكانت قبل هجرة الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى المدينة بخمسة سنوات
ففعل الشاب اليهودي، وأنشد بعض ما كانوا  قد تقاولوا فيه من الأشعار، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا ثم تشاتموا وتقاتلوا، حتى قال الفريقان: السلاح السلاح، موعدكم الحرة، فخرجوا وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، فبلغ ذلك الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: 
"يا معشرَ المُسلِمينَ اللهَ اللهَ، أبِدَعْوَى الجاهليةِ وأنا بينَ أظهُرِكُم !؟ بعد إذ هداكم الله تعالى إلى الإسلام، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا" ثم قال الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "دعوها -أي العصبية- فإنها منتنة" فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
يقول تعالى (وَٱعۡتَصِمُواْ) أي وتمسكوا
(بِحَبۡلِ الله جَمِيعٗا) قال المفسرون أن حَبۡلِ الله -تَعَالي- هو كتاب الله، يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث الصحيح "كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إَلى الأرْضِ"
وقال البعض أن حَبۡلِ الله، هو دين الله أي الاسلام، وقال البعض هو طاعة الله تعالى، وقال البعض هو الجماعة. 
وكل هذه المعاني متقاربة متداخلة، لأن المتمسك بكتاب الله، هو المتمسك بدين الله، وهو المتمسك بالطاعة.
وهذا التشبيه –تشبيه تمثيلي- لأن الممسك بدين الله -تَعَالي- وبكتاب الله ينجو من الهلاك، مثل الممسك بالحبل ينجو من السقوط أو الغرق أو نحو ذلك.
يقول الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية: واعلم أن كل من يمشى على طريق دقيق يخاف أن ينزلق رجله ، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبى ذلك الطريق أمن من الخوف.
يقول تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) أي كلكم لأننا لو تمسكنا جَمِيعًا بِحَبْلِ اللَّهِ فلن يكون خلاف بيننا، لأن الحبل الذي نتمسك به هو حبل واحد.
(وَلَا تَفَرَّقُواْۚ) يعنى واياكم أن تتفرقوا الى فرق، كما تفرقت اليهود والنصاري الى فرق مختلفة يكفر بعضها بعضا.
يقول الرَسُول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 'افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"
فعلينا أن نتمسك بسنة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونرفض أن ننتسب الى أي فرقة أو جماعة

❇        

(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً) أي الأوس والخزرج، لأن الآيات نزلت فيهم، وقد كان بينهما تاريخ طويل من الحروب، امتد الى اكثر من مائة وعشرون عامًا قبل هجرة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
والآية تصدق كذلك على عامة العرب فقد كانت القبائل العربية في حروب لا تتوقف، وكانت الحرب تندلع لأتفه الأسباب وتستمر لسنوات طويلة، مثل حرب داحس والغبراء، وداحس والغبراء أسماء لفرسين سبق أحدهما الآخر، فقامت حرب استمرت أربعين سنة
(فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) اشارة الى أن الأخ في الله نعمة عظيمة من الله تعالى
(وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) الشفا طرف الشيء وحرفه
والمعنى: وكنتم على وشك الوقوع فى النار بسبب كفركم وضلالكم، فمن الله عليكم وأنقذكم من التردى فيها بهدايتكم إلى الحق
(كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ) اي الآيات الشرعية والكونية
(لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ) أي كي تَهۡتَدُونَ
المقصود كي تثبتون على الهداية، وتزدادون هداية، الهداية، لأن الله -تَعَالي- خاطبهم في بداية الآيات وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا)

❇        

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) 
جاء هذه الآية الكريمة والتى فيها الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعد الأمر بعدم التفرق، لبيان أنه لا تعارض بين النهي عن التفرق وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لأن البعض يقول لا تأمر بالمعروف ولا تنهي عن المنكر حتى لا تنفر الناس من الدين، نقول هذه الآية ربطت بين النهي عن التفرق وبين الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قوله تعالى (وَلۡتَكُن) هو أمر للوجوب.
(وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّة) قال البعض مِّن للتبعيض، يعنى  بعضكم أو  جماعة مِّنكُم.
وقال البعض بل الأمر يشمل جميع المسلمين، يعنى جميع المسلمين يكونون آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر.
كما قال تعالى في سورة العصر (وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ) ومعنى تَوَاصَوْاْ يعنى أنا أوصيك وأنت توصينى، لأن كل ابن آدم خطاء، فأنا اقع في معصية اليوم، فتوصينى، وأنت تقع في معصية غدًا فأوصيك وهكذا. 
فالذي قال (وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّة) يعنى بعضكم أو  جماعة مِّنكُم، قال أنه يشترط لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون عالمًا
نقول أن الله تعالى يقول (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) نقول أن الْخَيْرِ  معروف، والمعروف هو ما تعرفه العقول والطباع السليمة، والمنكر هو ما تنكره العقول والطباع السليمة.
فلو رأيت رجلًا ظالمًا يضرب رجلًا أضعف منه في الطريق، فهل هذا يحتاج الى علم حتي تقول له أن ما تفعله حرام.
اذا رأيت أحدهم يضايق امرأة في الطريق، فهل هذا يحتاج الى علم، حتى تقول له ألا تفعل.
أما بالنسبة للأحكام، فأنت تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر في أمر أنت على علم كامل به، ومعنى علم كامل يعنى تعرف الآراء الفقهية وآراء العلماء في هذا الأمر.
اذكر أن ابنى كام عمره حوالى تسع سنوات، وكان يصلى في المسجد وهو يرتدي الشورت، فعنفه أحد المصلين، وقال له: لا يجوز أن تصلى بالشورت، فرد عليه ابنى أنه يجوز على مذهب أبو حنيفة.
أمر آخر ننبه اليه وهو أن الأجدر بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون أول العاملين بقوله، حتى لا يدخل في زمرة من قال الله فيهم في سورة الصف: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ)
(وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ) أي الفائزون، وكلمة مفلحون من فلاحة الأرض لأن الفلاح أو المزارع يضع بذرة، وهذه البذرة تنبت شجرة وهذه الشجرة تعطيه آلاف من الثمار، وكذلك عمل المؤمن في الدنيا، عمل بسيط وأجره أضعاف اضعاف عمله.

❇        

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) 
(وَلَا تَكُونُواْ) يعني أيها المؤمنون لَا تَكُونُواْ
(كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) وهم اليهود والنصاري، فهؤلاء تفرقوا وأصبحوا طوائف يكفر بعضها بعضا، ويقاتل بعضها بعضا.
والاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف في العقائد وأصول الدين وأسسه، وليس في مسائل الفروع.
ولذلك قال تعالى (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) لأن أصول الدين وأسسه واضحة 
وأيضًا الاختلاف المنهي عنه هوالاختلاف الذي يؤدي الى الجدال وَالْخُصُومَاتِ.
وقد اختلف الصحابة حتى في زمن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكن كان اختلافًا في الفروع وليس في الأصول، ولم يصل الاختلاف أبدًا الى الخصومة بينهم.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇