Untitled Document

عدد المشاهدات : 567

الحلقة (202) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآيتين (75) و(76) من سورة "آلَ عِمْرَانَ". قول الله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا

تدبر القُرْآن العَظِيم
الحلقة الثانية بعد المائتين
تدبر الآيتين (75) و(76) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"

❇        

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)

 ❇        

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (مِنْ) للتبعيض، يعنى بعض أَهْلِ الْكِتَابِ، وهذا هو أسلوب القُرْآن العَظِيم وعدله وانصافه أنه لا يعمم في أحكامه.
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) نحن نعلم أن "أَهْلِ الْكِتَابِ" هم اليهود والنصارى، وهذه الآية نزلت في يهود المدينة لأن هؤلاء هم الذين كانت بينهم وبين المسلمين معاملات مالية، سواء قبل الإسلام أو بعد الاسلام، ومع ذلك فان الآية خاصة باليهود والنصاري معًا لأن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب.

❇        

(مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) اختلف المفسرون في تحديد قيمة القنطار، فالبعض قال 149 كيلو جرام، وقال البعض 143 كيلو جرام، ولكن ليس المقصود بالقنطار مال محدد، ولكن المقصود به هو المال الكثير.
كما قال تعالى في سورة النساء (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) يعنى آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ مهرًا كبيرًا.
فقوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ على مال كثير.
(يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) يعنى يؤدي ما عليه من مال في موعده .
(وَمِنْهُمْ) ومن أهل الكتاب
(مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ) اي مال قليل، لأن الدينار هو أقل عملة في ذلك الوقت، لأن العملات التى كانت موجودة وقت نزول القرآن كانت الدينار والدرهم الفارسي والبيزنطي، والدرهم كان عملة ذهبية، أما الدينار  فكان من الفضة، فالمراد بالدينار هنا أي مال قليل. 
فقوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ) يعنى ومن أهل الكتاب من ان تأمنه على مال قليل.

(لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ الا اذا داومت وأصررت وألححت في المطالبة بحقك، ولجأت الى القضاء والمحاكم، كما نقول "واقف على راسه" 
يقول ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل أودع عند "عبد الله بن سلام" ألفا ومائتى أوقية من ذهب (حوالى 35 كيلو جرام) فأداها إليه، وأودع رجل آخر عند "فنحاص بن عازوراء" (وكان أحد أحبار اليهود) دينارا فخانه فنزلت الآية

❇        

اذن المعنى أن بعض أَهْلِ الْكِتَابِ من اليهود والنصاري من هو في غاية الأمانة، فلو ائتمنته على مال كثير أداه اليك، ومنهم من هو في غاية الخيانة، فلو ائتمنته على مال قليل لا يؤده اليك، الا لو داومت على ملاحقته والمطالبة بحقك.
❇        

وهذه اشارة هامة الى أن حقك -حتى لو كان أخذه صعبًا- فانك تستطيع أن تأخذ حقك بمطالبتك به، ومداومتك على المطالبة به، كما قالوا "لا يضيع حق وراءه مطالب" 
❇        

وفيه اشارة أخري هامة أن تحتاط ولا تغتر بأمانة بعض الذين ينتمون الى طائفة معينة، فاذا تعاملت مع رجل يهودي وكان أمينًا وأدي ما عليه من حق اليك، فلا تقول أن كل اليهود أمناء، ويدفعك هذا الى أن تستأمن جميع اليهود على أموالك.
❇        

(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) 
(ذَلِكَ) يعنى سبب ذَلِكَ، أي سبب عدم أدائهم ما عليهم من حقوق.
(أَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)
المقصود بالْأُمِّيِّينَ هم العرب، وقد عرف العرب بالأميون لأن أغلبهم كانوا لا يقرأون ولا يكتبون، فعرفوا بالأميون. 
أو أن المقصود بالْأُمِّيِّينَ هم غيرهم من الأمم، لأنهم هم أهل الكتاب، فكانوا يقولون لمن غيرهم من الأمم بأنهم أميون.
والمعنى أن عدم أدائهم ما عليهم سببه انه كانوا يقولون ويعتقدون أن عدم أدائهم ما عليهم للعرب -أو لغيرهم بصفة عامة- هو أمر لا اثم عليهم فيه، ولا حرج فيه، وغير معاقبون عليه.
وهذه هي مشكلة اليهود الأساسية أن العالم عندهم مقسوم الى قسمين: يهود وجوييم، والجويم كلمة عبرية تعنى الغرباء، أو غير اليهودي، ويقولون أن أرواح اليهود مقدسة، وأرواح غيرهم خبيثة وشريرة، وهؤلاء الغرباء خلقهم الله -تَعَالى- ليخدموا اليهود
وفي التلمود وهو كتابهم المقدس الثاني بعد التوراة  "إن الأُمَمِيين هم الحَمِير الذين خلقهم الرب ليركبهم شعبُ الله المختار"
وفي التوراة "قال موسى: يا رب، لماذا خلقت شعبًا سوى شعبك المختار؟! فقال: لتركبوا ظهورهم، وتمتصوا دماءهم، وتحرقوا أخضرهم، وتلوثوا طاهرهم، وتهدموا عامرهم." 
وفي التلمود "وعلى اليهودي ألاّ يسرق من يهوديّ، أما غير اليهودي فماله وعِرضه مُباحان له، ومن المحرَّم على اليهودي أن يُنقذَ غير اليهوديّ من هلاك أو يُخرجه من حُفرة سقط فيها"
وفي التلمود أيضًا "مَن يقتل مسيحيًّا أو أجنبيًّا أو وثنيًّا، يكافأ بالخلود في الفردوس، أما مَن يقتل يهوديًّا فكأنه قتل الناس جميعا‏".

❇        

والتحريف في هذه النصوص تحريف واضح ، لأن أي كتاب سماوي نزل من عند الله تعالى لا يمكن أن يصنف البشر، فيجعل صنف له معاملة، وصنف آخر له معاملة أخري، لأن الله هو خالق كل البشر.
من أمثلة طرق اليهود في التحريف: كان هناك نص في التوراة يقول "لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته" فحرفوا النص، وزادوا كلمة "الاسرائيلي" فأصبح النص "لا تأخذ ربا من أخيك الاسرائيلي إذا أقرضته" وبذلك أصبحوا يتعاملون بالربا مع غيرهم، ويحرمونه بينهم وبين أنفسهم.

❇        

(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) يعنى يدعون أن هذا موجود في كتابهم، أنه لَيْسَ عَلَيْهم فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وهذا كذب على الله تعالى
(وَهُمْ يَعْلَمُونَ) 
وهم يعلمون كذب قولهم، وأن هذا ليس موجودًا في كتابهم.
أو يعلمون عقوبة من يكذب على الله تعالى.
ولذلك نجد أن الله تعالى حذف المفعول به في هذه الجملة، فلم يقل تعالى "وَهُمْ يَعْلَمُونَ كذا..." وذلك حتى تعطي الجملة هذا المعنى وهذا المعنى، وربما معاني أخري، وهذا من ثراء وبلاغة القرآن العظيم.

❇        

يقول الامام "محمد عبده" في تفسيره "المنار" وفي خبر هؤلاء المحرفين من العبرة لنا معشر المسلمين، فإن فينا من يقول الآن: إنه يجوز أكل أموال غير المسلمين بل المسلمين في دار الحرب مطلقا، ثم إن هؤلاء يفسرون دار الحرب - كما يشاءون –
❇        

أحد التابعين سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّا نُصِيبُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:  فَتَقُولُونَ مَاذَا؟ قَالُ:نَقُولُ:  لَيْسَ عَلَيْنَا بَأْسٌ فِي ذَلِك، قال ابْنَ عَبَّاسٍ: هَذَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ:  "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"
❇        

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)
(بَلَى) حرف يذكر فى الجواب لإثبات المنفى فى كلام سابق.
يعنى مثلًا: واحد يقول: لم تدفع ما عليك من دين.
فيقول له: بلى. يعنى بل دفت ما علىَّ من دين.
هم قالوا (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) يعنى نفوا أن يكون عَلَيْهم فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، فيقول تعالى (بَلَى) يعنى هذا غير صحيح بل عليكم فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.
ولذلك هناك وقف بعد (بَلَى) عند بعض القراء.
(مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) يعنى من يؤدي أمانته
(وَاتَّقَى) والتقوي هي حسن مراقبة الله تعالى.
ومن ضمن تقوي الله الوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وأداء الحقوق.
(فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) 
حاول دائمًا تتبع الذين يحبهم الله تعالى.
يقول أحد العارفين: اذا احبك الله فسيذهلك بعطائه
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: يُحْبَسُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ فَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَفِ الرَّحْمَنِ لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلا يَسْتَتِرُ. فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ.

❇        

لِمُطَالَعَة بَقِيَةِ حَلَقَات "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم"

لِمُشَاهَدَة حَلَقَاتِ "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" فيديو

 ❇