Untitled Document

عدد المشاهدات : 804

الحلقة (180) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآيات (10) و(11) و(12) من سورة "آلَ عِمْرَانَ" قول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَد

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الثمانون بعد المائة الأولى
تدبر الآيات (10) و(11) و(12) من سورة "آلَ عِمْرَانَ"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
تحدث الله تعالى في الآية السابقة عن جمع الناس للحساب يوم القيامة، فقال تعالى (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)
ثم يستأنف الله تعالى في هذه الآية الكريمة الحديث عن بعض أحوال يوم القيامة، فيقول تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) والمقصود هم يهود المدينة، وغيرهم من المشركين والمنافقين.
لأن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، فالآية وان كانت قد نزلت –كما قال المفسرون- في يهود المدينة، الا انها تعم جميع الكافرين
(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ) أي لن تنفعهم، ولن تدفع عنهم. 
(أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ) لن تنفعهم كثرة أَمْوَالُهُمْ وَلَا كثرة أَوْلَادُهُمْ، والتى كانوا ينتفعون بها في الدنيا، ويفزعون اليها عند أي مصيبة
(مِنَ اللَّهِ) عند الله.
أو لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنَ عذاب اللَّهِ تعالى
(شَيْئًا) أي شيء ولو صغيرًا أو حقيرًا 
(وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) 
الوَقود بفتح الواو هو ما توقد به النار كالحطب والفحم وغيره، فكأن هؤلاء الكافرين هم المادة التى ستتقد بها وتشتعل بها نار جهنم.  
يقول تعالى في موضع آخر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) فهؤلاء الكافرون وَالْحِجَارَةُ سيكونون هم المادة التى ستشتعل بها النار  
قال بعض أهل العلم هو يَحْرِقُون ويُحْرَقُون، فهم وَقود يحرق غيره، وهم يحترقون بغيرهم
كأن هذا الذي معك في الدنيا على المعصية، يشجعك على المعصية، وتشجعه على المعصية، كل منكما سيحرق الآخر يوم القيامة.
لو تعاون اثنان على ظلم شخص، سيحرق كل منهما الآخر، وسيكون كل واحد منهما عذاب للآخر.
الشباب الذي يلتقون ويشجعون بعضهم على المعصية، كل منكم سيحرق صحابه يوم القيامة.
الذين يجلسون في جلسات لتناول الخمور أو المخدرات، سيحرق بعضهم البعض يوم القيامة
الذي يزني بامرأة ستكون هي الوقود الذي سيحرقه يوم القيامة، وسيكون هو الوقود الذي سيحرقها.
يقول تعالى في سورة الزخرف (الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
(كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ) (كَدَأْبِ) بالهمزة، وقرأت (كَدابِ) بلا همز، عند ورش.
 (كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ) يعنى كَشَأْنِ آَلِ فِرْعَوْنَ، أو كما جري وحدث لآل فرعون، و(آَلِ فِرْعَوْنَ) هم أتباع فِرْعَوْنَ
(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من قبل آَلِ فِرْعَوْنَ، وهم قَوْمِ نُوحٍ وعاد وثمود وشعيب وَقَوْمِ لُوطٍ وغيرهم
(كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا) والمقصود بالآيات: الآيات الكونية الدالة على وجود الله، والمعجزات التى جاء بها رسل الله فاتهمهم الكفار بالسحر، وهي في حق الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- آيات القرآن العظيم.
(فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) أي فعاقبهم الله تعالى بسبب ذنوبهم، فالباء باء السببية.
والقرآن الكريم استخدم لفظ الأخذ في أكثر من موضع، يقول تعالى:
(فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً) 
( فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)
(فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ)
( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)
لأن من ينزل به العقاب يوم القيامة يكون كالمأسور المأخوذ الذي لا يقدر على الخلاص أو الهرب.
وأيضًا الأخذ يدل على القوة في التناول، ويدل على السرعة.
(إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)
(فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
الذَنْب أصله من "الذَّنَبِ" وهو ذيل الحيوان لأنه يتبع صاحبه ولا يتركه
والعقاب سمي بذلك لأنه يعقب الذنب
.
تَلا "مُطَرِّفٌ بن عبد الله " وكان من التابعين هَذِهِ الآيَةَ (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) فقال: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ قَدْرَ عُقُوبَةِ اللَّهِ، وَنِقْمَةِ اللَّهِ وَبَأْسِ اللَّهِ، وَنَكَالِ اللَّهِ، لَمَا رَقَأَ لَهُمْ دَمْعٌ، وَمَا قَرَّتْ أَعْيُنُهُمْ بِشَيْءٍ.
.
في هذه الآية يوجه الله تعالى اليهود الكفار والظالمين الى أن يتعظوا بمصير من كان قبلهم.
كأن الله تعالى يقول لهم أنتم مثلكم مثل آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وقد كانوا أكثر منكم أموالًا وأولادًا، وقد كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا، كما تكذبون أنتم، فكان عاقبتهم أن أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
وهذا مثل قوله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) 
قل يا محمد ليهود المدينة وغيرهم أنكم ستعاقبون على كفركم في الدنيا والآخرة:
أما عقابكم في الدنيا فهو الهزيمة والهوان والقتل
وأماعقاب الآخرة فجهنم وَبِئْسَ الْمِهَادُ
 (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) اصل الْمِهَادُ هو الفراش، والمعنى وَبِئْسَ القرار جَهَنَّمَ التي ستحشرون اليها
أو (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) المعنى بئسما مهدتم لأنفسهم. 
وقد ورد في سبب نزول الآية، أن الرسول ﷺ بعد ان عاد من انتصار بدر، جمع اليهود فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: 
- يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ قُرَيْشًا، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم
ففَالُوا لَهُ:
- يَا مُحَمَّدُ لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَعْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسَ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا
وكان الذي قال ذلك اسمه "فَنْحَاصَ اليهودي"
وقد صدق الله تعالى وعده في هذه الآية الكريمة: فهُزِم يهود بنى قينقاع، ثم يهود بنى النضير، ثم يهود بنى قريظة، ثم يهود خيبر، ثم فتح مكة وغزوة حنين.
وهذه الآية وان كانت قد نزلت في اليهود فإنها نزلت في عامة المشركين.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وفي الآية التالية تحدث الله تعالى عن غزوة بدر، فيقول تعالى (قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) أي أن انتصار المسلمون الساحق على المشركين في غزوة بدر، دليل على قول الله تعالى في هذه الآية  (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)
نتكلم عن هذه الآية الكريمة في الحلقة القادمة