Untitled Document

عدد المشاهدات : 1306

الفصل الثامن عشر بعد المائتين: معركة مؤتة- الجزء الثاني- القتال

 أسْرَار السَيرَةِ الشَرِيفَة- منهج حياة

 الجُزْءُ السابع عشر: معركة "مؤتة"

 الفصل الثامن العاشر بعد المائتين

  *********************************

    معركة مؤتة- الجزء الثاني

 

 القتال 

*********************************

 

 *********************************

 ملخص الفصل السابق

   وقعت معركة "مؤتة" في شهر "جمادي الآخرة" من السنة الثامنة من الهجرة، وهي أول مواجهة للمسلمين مع الإمبراطورية الرومانية، وهي اكبر دولة في العالم في ذلك الوقت

وكان سبب هذه المعركة أن الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أرسل أحد الصحابة وهو "الحارث بن عمير" برسالة الى أمير بُصْرَى، يدعوه فيها إلى الإسلام، ولكن اعترض طريقه "شرحبيل بن عمرو" وهو ملك الغساسنة، فقبض عليه وقتله
ردًا على ذلك أرسل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، بقيادة "زيد بن ثابت" وعندما وصل الجيش الى "معان" في الأردن، نقلت الاستخبارات الإسلامية الى "زيد بن حارثة" مفاجأة غير متوقعة، وهي أن الدولة الرومانية قد قررت الإشتراك في المعركة بنفسها، بل وألقت بثقلها في المعركة، وأرسلت جيشًا قوامه مائة ألف مقاتل، ليس هذا فحسب بل أمر "هرقل" بتجمع العرب النصاري الموالين للروم، فتجمعوا وأعدوا جيشًا آخر قوامه مائة ألف أخري، ليصل مجموع جيش العدو الى مائتى ألف مقتال، منهم خمسون ألف فارس، سيقاتل ثلاثة آلاف مسلم

 خط سير جيش المسلمون من المدينة الى "مؤتة"

  واستشار "زيد بن حارثة" الصحابة وكان الرأي هو  المواجهة والدخول في الحرب، فانطلق الجيش الى الشمال، بينما اتجه الروم الى الجنوب، وتراءا الجيشان عند قرية يطلق عليه "‏َشَارِف" ولكن وجد المسلمون أن هذا المكان غير مناسب للقتال بالنسبة لهم فانحازوا الى قرية يطلق عليها "مؤتة" وأقاموا معسكرهم هناك 

وكان سبب اختيار هذه القرية هو استغلال مزارع القرية وبيوتها لتكون حماية طبيعية للجيش، فلا يتمكن الرومان من تطويق الجيش، وتكون المواجهة بنفس أعدادهم، وهي نفس خطة الرسول في بدر وفي أحد 

  مكان معركة "مؤتة" في الأردن الآن

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

  بدء القتال ونجاح خطة "زيد بن حارثة"

 ووصلت جيوش العدو، أمواج بشرية هائلة تنساب الى أرض المعركة، والمسلمون واقفون ثابتين كالجبال 

وجاءت ساعة الصفر، وأعطي "زيد بن حارثة" اشارة البدء الى أصحابه، وانطلق "زيد بن حارثة" كالسهم صوب جيوش الأعداء وهو يحمل الراية، وانطلق معه المسلمون وقد ارتفت صيحات التكبير
واستمر القتال طوال اليوم، ولم يتراجع المسلمون، وانما وقفوا كالجبال أمام طوفان قوات التحالف الرومانية العربية، وكان صمود وأداء المسلمون في المعركة مفاجأة بالنسبة لقوات العدو، فقد كانوا يتوقعون ألا تستمر هذه المعركة سوي ساعات ثم يتم ابادة الجيش المسلم بالكامل، ولكنهم فوجئوا أن المسلمون يقاتلون بشراسة وشجاعة لم يشهدوا مثلها 
وحاولوا تطويق المسلمون، واعتقدوا أنه أمر سهل لتفوقهم العدد الكبير، ولكن المسلمون لم يمكنوهم من ذلك، ونجحت خطة القائد "زيد بن حارثة" في استغلال جغرافية قرية "مؤتة" في عدم تمكين الروم من تطويق الجيش المسلم


 قاتل المسلمون بشراسة وشجاعة ليس لها مثيل

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 استشهاد "زيد بن حارثة"

 وركز الروم هجومهم على القائد حامل اللواء "زيد بن حارثة" ومزقته رماح الروم وهو مقبلًا عليهم كالأسد، حتى سقط، وعدوا الجراح في جسده بعد ذلك فوجدوها أكثر من تسعين جرح ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم


 اقبل "زيد" يقاتل كالأسد حتى مزقته رماح الروم

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 
"جعفر بن أبي طالب" الشهيد الطيار

 وأخذ الراية "جعفر بن أبي طالب" وكان عمره ثلاثة وثلاثين عامًا، وتكالب عليه الرومان، وأصيب عشرات الإصابات ما بين ضربة سيف، وطعنه رمح، ورمية سهم، وهو لا يتوقف عن القتال، حتى تمكن أحد الروم من قطع يده التى يحمل بها اللواء، فترك سيفه الذي يقاتل به، وأمسك اللواء بيده الأخري، أي أنه يدفع حياته ثمنًا لعدم سقوط لواء رسول الله على الأرض، فقطعوا يده الأخري، فحمل اللواء بعضديه، ثم مات شهيدًا

يقول "عبد الله بن عمر" في حديث رواه البخاري "وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددتُ به خمسين، بين طعنةٍ وضربة، ليس منها شيءٌ في دبره" 
يعنى لم تكن به اصابة واحدة في ظهره؛ فهو لم يعطي ظهره للعدو ولو للحظة واحدة حتى قتل، وأثاب الله تعالى "جعفر" عن قطع يديه بجانحين يطير بهما في الجنة، يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  "رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ" ولذلك لقب "جعفر بن ابي طالب" بجعفر الطيار

 قاتل "جعفر بن أبي طالب" بضراوة حتى سقط شهيدًا

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 استشهاد "عبد الله بن رواحة" الأمير الثالث

 وتردد "عبد الله بن رواحة" للحظات في حمل الراية، ولكنه تخلص من تردده سريعًا، ونزل من على فرسه ليقطع باب التراجع، وحمل الراية، وقاتل حتى قتل


 قاتل "عبد الله بن رواحة" حتى قتل

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 "خالد بن الوليد" يحمل اللواء ويتولى قيادة الجيش

 هكذا سقط الأمراء الثلاثة الذين عينهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبقي الجيش بلا قائد، وسقط اللواء على الأرض، فأسرع أحد الأنصار وهو "ثابت بن ارقم" وكان ممن شهد بدرًا، فأخذ اللواء وذهب به الى "خالد بن الوليد" ودفعه اليه، ولكن "خالد" قال له أنت أحق به منى، فقال "ثابت بن الأرقم" خذه يا خالد فوالله ما أخذته الا لك

حمل خالد الراية، وعادت الروح المعنوية المرتفعة للمسلمين بعد أن كانت قد بدأت بالتأثر نتيجة سقوط الأمراء الثلاثة وسقوط اللواء

 حمل خالد الراية، وعادت الروح المعنوية المرتفعة للمسلمين

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 الله تعالى يكشف للرسول وهو في المدينة ما يحدث في أرض المعركة

 وكشف الله تعالى للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-وهو في المدينة ما يحدث في أرض المعركة، فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لصحابته

((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ؛ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ؛ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ , حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ))
يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "لقد رُفِعُوا إليَّ في الجنَّة على سُرُرٍ من ذهب، فرأيتُ في سرير عبد اللـه بن رواحة أزْوِرَاراً عن سرير صاحبيـه" فقال الصحابة: عم هذا ؟ فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى فقُتِلَ ولم يُعقّب

 قبر "زيد بن حارثة" في مؤتة

 

 قبر "جعفر بن ابي طالب" في مؤتة

 

 قبر "عبد الله بن رواحة" في مؤتة

 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 "خالد بن الوليد" يقرر الإنسحاب

 وجاء الليل وتحاجز الفريقان، وبات الرومان يتحدثون عن شجاعة المسلمون واستبسالهم، وكان اليوم الأول من القتال في صالح المسلمون تمامًا فقد ثبتوا أمام الرومان، وأفشلوا خططهم في تطويق المسلمون، وكان عدد قتلى الرومان أكبر من قتلى المسلمين 

ومع ذلك قرر "خالد بن الوليد" أن ينسحب بالجيش، لأن المسلمون وان كانوا قد حققوا تفوقًا في اليوم الأول، فليس هناك احتمال لتحقيق النصر الكامل، ولا يمكن مثلًا تعقب الروم والتوغل داخل الأراضى الرومانية بهذا الجيش الصغير

خالد بن الوليد يقرر الإنسحاب

 ولكن لو انسحب المسلمون من أمام الرومان بطريقة طبيعية، فلابد أنهم سيتعقبوهم وستكون مجزرة حقيقية يباد فيها الجيش بأكمله، ولذلك وضع "خالد" خطة انسحاب محكمة أراد بها ايهام الجيش الرومي ان انسحاب المسلمون هو خدعة يريد بها استدراج الجيش الرومي، فلا يتعقبوهم وبذلك ينجو بالجيش المسلم بلا خسائر



 أرض المعركة

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 "خالد بن الوليد"  يضع أعظم خطة انسحاب في التاريخ

 ولتنفيذ هذه الخطة قام "خالد بن الوليد" بالخطوات التالية:

أولاً: جعل الخيل طوال الليل تجري في أرض المعركة لتثيرَ الغبار الكثيف؛ وصاحب ذلك اصوات تكبير المسلمين، فيُخيَّل للرومان أن هناك مددًا لا ينقطع طوال الليل يصل الى المسلمين
ثانيًا: عندما جاء الصباح جعل في خلف الجيش وعلى مسافة بعيدة منه مجموعةً من الجنود خلف أحد التلال، منتشرين على مساحة عريضة، يقومون باثارة الغبار لإشعار الرومان بالمدد المستمر الذي يأتي للمسلمين
ثالثًا: غَيَّر من ترتيب الجيش، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، وحين رأى الرومان الجيش في الصباح، ورأوا الرايات والوجوه والهيئة قد تغيَّرت، أيقنوا أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين
نتيجة ذلك انهارت معنويات الروح وساد فيهم الرعب والارتباك، ولسان حالهم يقول اذا كان هذا العدد الصغير قد فعل بنا الأفاعيل، فماذا بعد أن يصل اليهم هذا المدد الكبير ؟

 جعل "خالد" الخيل طوال الليل تجري في أرض المعركة لتثيرَ الغبار 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 "خالد بن الوليد" يقود هجوم كاسح للمسلمين

 وفي ذلك الوقت وأثناء ارتباك الروم قام خالد بهجوم قوي، وقتلوا الكثير من الروم، ومن شدة القتال تكسرت في يد "خالد بن الوليد" وحده تسعة أسياف، يقول "خالد" "فَصَبَرَتْ مَعِي صَفِيحَةٌ لِي يَمَانِيَّةٌ" 

والصَفِيحَةٌ هو سيف عريض يصل الى 8 سم يكون ثقيلًا وأقدر على مقاومة الكسر والصدمات
وأحد المسلمين قتل روميًا وأخذ سلاحه وكان مذهبًا، وكان لا يحمل الذهب في الروم الا القادة الكبار
ومن شدة الهجوم اقترب المسلمون من خيمة قائد الروم


 أثناء ارتباك الروم قام خالد بهجوم قوي

 

 واقترب المسلمون من خيمة قائد الروم

 

ومن شدة القتال تكسرت في يد "خالد" تسعة أسياف

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 نجاح خطة "خالد" العسكرية

 وفي ذلك الوقت وقبل أن يعيد الروم ترتيب صفوفهم، أعطي خالد قادته الإشارة بالارتداد الى الخلف كما اتفق معهم، فأخذ الجيش يغادر أمر المعركة بكل هدوء وثقة وانضباط، وكان خالد يجول بفرسه بين الجيش ليشرف على عملية الإنسحاب 

وشاهد الرومان المسلمون وهم يرتدون الى الخلف بعد الهجوم الكاسح الذي قاموا به، وبعد أن شاهدوا ما اعتقدوا أنه مدد يصل الى الجيش المسلم، فأيقنوا أن هذا الإنسحاب مكيدة يريد بها المسلمون استدراج الجيش الرومي الى أحد الكمائن، وهو يعرفون أن العرب يجيدون جدًا الكر والفر والكمائن، فخافوا من تتبع المسلمين، وأصدر القادة الروم أوامرهم بعدم تعقب المسلمون 
وهكذا نجحت حيلة خالد وخدعته العسكري الباهرة، وعاد الجيش المسلم الى المدينة سالمًا

 قبل أن يعيد الروم ترتيب صفوفهم، أعطي خالد قادته الإشارة بالارتداد الى الخلف

  ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 عودة جيش المسلمين الى المدينة

 وبرغم ما أظهره المسلمون في تلك المعركة من شجاعة مذهلة فان هذا لم يرض بعد أهل المدينة من المسلمين، فعندماعاد الجيش المسلم أخذ بعض الصبيان يقولون "يا فرار فررتم في سبيل الله" فنهاهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقال"لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ الله عزوجل" 

ثم قال الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر" 
فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه فحمله بين يديه، وكان عمره 8 سنوات
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 تقييم معركة "مؤتة"

 وقد اختلف المؤرخون في تقييمهم لمعركة "مؤتة" فمنهم من رأي أنها نصر للمسلمين، ومنهم من رأي أنها هزيمة، ومنهم من رأي أن هناك تعادل بين الكفتين، وهذا هو الرأي الغالب، لأن كل فرقة انحازت عن الأخري، ولم تتعقب أي فرقة الأخري، ولم يكن هناك أسري من الفريقين، وكان هناك قتلى من الفريقين

ومع ذلك يمكن اعتبار هذه المعركة انتصارًا واضحًا للمسملين بالنظر الى الفرق الشاسع بين أعداد المسلمين وأعداد الروم، وبالنظر الى أن أعداد قتلى الروم كان أكثر كثيرًا من قتلى المسلمين
ولكن لا يمكن أبدًا أن يعد الأمر هزيمة للمسلمين، لأن أعداد الشهداء من المسلمين كان فقط اثنى عشر شهيدًا، منهم الأمراء الثلاثة، ولا يمكن ان يكون هذا هو عدد القتلي في جيش مهزوم 

 شهداء مؤتة

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 أثر "مؤتة" ونتائجها

 تركت معركة "مؤتة" اثرًا ايجابيًا هائلًا على عرب الجزيرة، وخاصة القبائل في المنطقة الشمالية في الجزيرة العربية، وأتت بعد ذلك هذه القبائل العربية الى المدينة بعد أقل من شهرين لتعلن اسلامها

وكانت "مؤتة" كذلك هزيمة نفسية لقريش، مهدت لفتح مكة بعد "مؤتة" بشهرين فقط، وقد شعروا بالرهبة من هذا الجيش الذي وقف أمام جحافل الروم والعرب

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************